محمد باقر الملكي الميانجي

26

مناهج البيان في تفسير القرآن

اللّه عليه وآله إلّا تمحيصا ، ليعلم من يتّبع الرسول ممّن ينقلب على عقبيه ، وقد كان التسليم لهذا الحكم والامتثال له ثقيلا على العرب سيّما على قريش . والحقّ أنّه كما قال اللّه تعالى : « وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ » . ولذلك كان في تحويلها شأن خاصّ بين أعداء الإسلام سيّما اليهود الّذين تركت قبلتهم ونسخت ، واستقلّ المسلمون بقبلة مخصوصة وانفردوا بها عنهم وعن غيرهم ، وما رضي اللّه سبحانه أن يشترك المسلمون معهم في القبلة . وفي تخصيص الخطاب بالرّسول صلّى اللّه عليه وآله إيذانا بإكرامه في إجابته دعاءه وإنجاح أمله ، وأنّ الأمر انتهى إلى رضائه صلّى اللّه عليه وآله برضائه تعالى . وفي هذا غاية التشريف والتكريم . قوله تعالى : وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ . هذا تعميم الحكم لجميع المسلمين . وفي التعبير ب « حَيْثُ ما » تصريح للاستغراق وعموم الحكم لجميع الناس في كلّ زمان ومكان في البراري والجبال والبحار وفي الأسفار وغيرها . قوله تعالى : « وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ » . أقول : اليهود والنصارى ليعلمون أنّ تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة حقّ من ربّهم ، لا ريب فيه . قال في مجمع البيان 1 / 227 : « ليعلمون أنّه الحقّ من ربّهم » أي : يعلمون أنّ تحويل القبلة إلى الكعبة حقّ مأمور به من ربّهم . وإنّما علموا ذلك لأنّه كان في بشارة الأنبياء لهم أن يكون نبيّ ، من صفاته كذا وكذا ، وكان في صفاته أنّه يصلّي إلى القبلتين . قوله تعالى : « وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ » . ( 144 ) وعيد من اللّه تعالى لهم فإنّهم يكابرون وينكرون الحقّ مع علمهم به . قوله تعالى : « وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ » . ولا يخفى ما فيه من الإكرام والتسكين لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله . وهذا إخبار من اللّه سبحانه أنّك لو أتيت بكلّ آية باهرة ودليل قاهر على الحقّ ما قبلوا منك لشدّة عنادهم ولجاجهم .