محمد باقر الملكي الميانجي
64
مناهج البيان في تفسير القرآن
الأوس على نفسك . فقال مصعب : أو تجلس فنعرض عليك أمرا ، فإن أحببته دخلت فيه وإن كرهته نحّينا عنك ما تكره . فجلس فقرأ عليه سورة من القرآن فقال : كيف تصنعون إذا دخلتم في هذا الأمر ؟ قال : نغتسل ونلبس ثوبين طاهرين ، ونشهد الشهادتين ، ونصلّي ركعتين ، فرمى بنفسه مع ثيابه في البئر ، ثمّ خرج وعصر ثوبه ثمّ قال : أعرض عليّ ، فعرض عليه شهادة أن لا إله إلّا اللّه وأنّ محمّد رسول اللّه . فقالها ثمّ صلّى ركعتين . . . فتبيّن ممّا ذكرنا أنّ المكابرين والمعارضين مع القرآن إنّما رموه واعترضوا عليه لأجل مقاصده ومواعظه وهداياته . فإن قيل : إنّ تحدّي القرآن بالفصاحة والبلاغة المصطلحة المستحدثة أيّ محذور فيه ؟ قلت : الكلام في التحدّي بالمعنى المصطلح يقع تارة بالنظر إلى مقام الإثبات وتارة بالنظر إلى مقام الثبوت . وأمّا الجهة الأولى فقد قدّمنا شطرا من الكلام فيه وأنّه لا شاهد ولا دليل عليه بحسب الكتاب والسنّة . وأمّا بحسب الواقع والثبوت فبديهيّ أنّ المهمّ عقد البحث في أنّه هل يمكن أن تكون الفصاحة والبلاغة بالمعنى المصطلح وجها للتحدّي أم لا ، فنقول : الفصاحة والبلاغة والتحدّي بهما لخصوص فصحاء العرب أو لجميع الناس ممّا لا محصّل تحته . فإنّ الشؤون الراجعة إلى مقام النبوّة ومنزلة السفارة والخلافة ، هي إصلاح المجتمع البشري وتطهيرهم من القذارات ، وتعديلهم عن الانحرافات ، وسوقهم وهدايتهم إلى الكمالات الراقية . فلا محالة يكون إعجازه من جنس ما بعث لأجله . فإن قيل : فأيّ مانع أن لا يكون التعجيز الّذي مرجعه إلى التعجيز بالعلم والقدرة الخارقين للعادة والطبيعة ، من جنس الشؤون الراجعة إلى مقام الرسالة ، فإنّ إحياء الموتى ، وإبراء الأكمه والأبرص ، وقلب العصا ثعبانا ، وشق البحر وأمثالها ، ليس من سنخ ما بعث الرسول لأجله . وإنّما هي آيات وبراهين لإثبات النبوّات . قلت : نعم ، إلّا أنّ الفصاحة والبلاغة المصطلحة لا تقاس بآيات الأنبياء وبراهينهم ، لأنّ الإعجاز لابدّ أن يكون خارقا للعادة والطبيعة ومباينا ذاتا وسنخا لسنخ أفعال البشر ، والفصاحة والبلاغة لهما حدود مقدورة للبشر والحدّ الأعلى منهما