محمد باقر الملكي الميانجي

55

مناهج البيان في تفسير القرآن

قال : أعوذ باللّه من ذلك ، وما قالت اليهود ؟ قال : « قالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ » يعنون أنّ اللّه قد فرغ من الأمر فليس يحدث شيئا ، فقال عزّ وجلّ : « غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا » . . . قال سليمان : لأنّه قد فرغ من الأمر ، فليس يزيد فيه شيئا . قال الرّضا عليه السّلام : هذا قول اليهود فكيف قال تعالى : « ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ » ؟ قال سليمان : إنّما عنى بذلك أنّه قادر عليه . قال : أفيعد مالا يفي فكيف قال : « يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ » ؟ وقال عزّ وجلّ : « يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ » وقد فرغ من الأمر ؟ ! فلم يحر جوابا . بيان : إنّ اللّه تعالى كلّ يوم في شأن جديد من إحداث بديع لم يكن وإذهاب أمر قد كان . وهكذا سنّته تعالى في جميع ما يحيط به علمه من الحوادث الحكيمة القيّمة أن يأتي بشيء منها ويذهب بآخرين ، وهو تعالى يعطي ويمنع ، ويحيي ويميت ، ويؤاخذ ويعفو ، فقدرته تعالى غير المتناهية ومالكيّته لجميع من سواه وما سواه فعليّة ، يأتي سبحانه بمقام شيء بعد تحقّقه شيئا آخر لعلّة وحكمة أرادها في الأوّل والثاني ولا يمكن أن يمنعه تعالى مانع من هذا الفعل الحكيم . فلو شاء اللّه ليمحو ما كان مكتوبا أوّلا ويثبت ما لم يكن مكتوبا بوجه أصلا ، فهذا المكتوب الثّاني وهذا الخلق الجديد إنما هو عن العلم المكنون . فإن قلت : إنّ هذا التبديل والتحويل والإتيان بالخير والمثل بدل المنسوخ ، مستند إلى المشيئة الأزليّة فيكون الإتيان بالمثل إظهارا وإبرازا لزوال المنسوخ وانمحاء بانتهاء أمده ، ويكون الإتيان بالناسخ إيجادا لما كان ثابتا في الأزل بالمشيئة الأزليّة . قلت : فعلى هذا لا يكون النسخ بمعنى التغيير والإزالة والإبطال بل يكون إظهارا لزوال عين أو حكم ، وكذلك لا يكون هناك إتيان شيء لم يكن بل هو إيجاد ما كان ثابتا في الأزل ؛ وهذا عين الالتزام بمقالة اليهود ومبتن على كون مشيئته تعالى بعينها علمه سبحانه وأنّه تعالى شاء كلّ شيء بالمشيئة الأزليّة . ولكنّ البراهين الإلهيّة