محمد باقر الملكي الميانجي

37

مناهج البيان في تفسير القرآن

ما المراد من التأويل الّذي استأثره اللّه تعالى لنفسه وللراسخين من أوليائه ؟ وهل بعد مفاد المحكمات والنصوص والظواهر وجوامع الكلم الّتي كلّم اللّه به خلقه وتجلّى لهم في كلامه ولكنّهم لا يبصرون ، معان ومداليل له تسمّى بالتأويل ؟ قلت : نعم ، قد صرّحت محكمات الكتاب بوجود التأويل وتواترت السنّة من الرسول صلّى اللّه عليه وآله والأئمّة من أهل بيته الطاهرين على ذلك . وقد صرّحت تلك النصوص بوجوب الإيمان لظاهر القرآن وباطنه وتنزيله وتأويله فلا يقبل إيمان الباطنيّة بعد ما أنكروا الظّاهر وكفروا به ، ولا إيمان الظاهريّة بعد ما ردّوا التأويل الّذي بيّن لهم الرسول صلّى اللّه عليه وآله وخلفاؤه عليهم السّلام ، بل الواجب أن يقولوا : آمنا به كلّ من عند ربّنا . ولا فرق في التأويل بين تأويل الكتاب وتأويل المتشابه من الكتاب من حيث الأحكام والآثار المترتّبة على حقيقته . نعم ، بينهما فرق من حيث التحقّق فتأويل المحكمات والنصوص والظواهر بعد الفراغ عن كاشفيّتها وسنديّتها للمعاني المرادة منها ثمّ تصل النوبة إلى المرادات التأويليّة بخلاف المتشابه فظواهرها ليست مرادة منها ومعناه التأويلي ليس اللّفظ ظاهرا فيه إلّا بعد البيان . وقد عرفت أنّ هذه المعاني التأويليّة المرادة ، ما قصد منها إفهام عامّة الخلق في عرف التخاطب ولا يفهمون منها هذه المعاني وإنّما أفاض اللّه تعالى علمها على عصابة خاصّة من أوليائه . والحقّ التأويل مدلول كلامي ومفهوم من الألفاظ عنى به المتكلّم إفهاما لمن خاطبه . والفرق بينه وبين التفسير إنّما هو بلحاظ أنّ التفسير أقرب من مقاصد المتكلّم من حيث الإفهام والتفهيم . والتأويل في مرتبة متأخّرة عن التفسير وهو مآل الكلام ومرجعه النهائي . وقد صرّح أهل اللّغة أنّ الأول هو الرّجوع ، ومن هذا الباب ما يقال : آل الأمر إلى كذا . فتأويل الكلام من أفراد التأويل العامّ ، غاية الأمر أنّ مآل كلّ شيء بالنسبة إليه وبما يناسبه ويلائمه ، بخلاف التفسير فإنّه في اللّغة بمعنى كشف القناع . وينطبق على الكلام الذي يوضح ويبيّن المراد من كلام آخر ، فتقييد المطلق بدليل آخر وتخصيص العام بالقرينة المنفصلة داخلان في باب التفسير لا التأويل . وإن كان قد يطلق أحدهما في مورد الآخر ، ولا يهمّنا تحقيق ذلك أنّ هذا الإطلاق حقيقة أو من باب العناية والمناسبة بينهما . فلا يجوز الأخذ بالمطلق والعامّ إذا كان دأب المتكلّم وسنّته الاعتماد على القيود