محمد باقر الملكي الميانجي

29

مناهج البيان في تفسير القرآن

المعنى إلى صورته الّتي يظهر بها ، والحقيقة المتمثّلة إلى مثالها الّذي تتمثّل به . كما كان الأمر يجري هذا المجرى فيما أوردناه من الآيات في قصّة موسى والخضر عليهما السّلام ، وكذا في قوله تعالى : « وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ . . . وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا » الآية [ الإسراء ( 17 ) / 35 ] ومنها ما قال في المنار 3 / 174 ، بعد نقل الآيات الّتي ورد فيها لفظ التأويل وبيان معنى التأويل فيها : فتبين من هذه الآيات أنّ لفظ التأويل لم يرد في القرآن إلّا بمعنى الأمر العملي الّذي في المآل تصديقا لخبر أو رؤيا أو لعمل غامض يقصد به شيء في المستقبل ، فيجب أن تفسّر آية آل عمران بذلك . ولا يجوز أن يحمل التأويل فيهما على المعنى الّذي اصطلح عليه قدماء المفسّرين ؛ وهو جعله بمعنى التفسير - كما يقول ابن جرير : القول في تأويل هذه الآية كذا - ولا على ما اصطلح عليه متأخّروهم من جعل التأويل عبارة عن نقل الكلام عن وضعه إلى ما يحتاج في إثباته إلى دليل لولاه ما ترك ظاهر اللّفظ ، ومثله قول أهل الأصول : التأويل صرف اللّفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل . أقول : قد تقرّر في محلّه أنّ استعمال اللّفظ في مورد لا يدلّ إلّا على كونه من مصاديق المعنى اللّغويّ له أو من الموارد الّتي استعمل فيها اللّفظ بضرب من التجوّز والعناية ، فاستظهار معنى في مورد من استعمال لفظ التأويل في الآيات الكريمة لا يدلّ على كون هذا المعنى هو المراد في غيره من موارد استعماله . وسيجيء معنى التفسير والتأويل والفرق بينهما في ضمن المباحث - إن شاء اللّه تعالى - . قال تعالى : « هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ » [ آل عمران ( 3 ) / 7 ] قد تقدّم البحث في معنى المحكم والمتشابه والآراء والرّوايات الواردة في ذلك . قوله تعالى : « فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ