محمد باقر الملكي الميانجي

30

مناهج البيان في تفسير القرآن

وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ » . أقول : صرّح تعالى بانقسام الكتاب إلى المحكم والمتشابه . وصرّح أيضا بانّ الآخذين بالكتاب والمتمسّكين به بلحاظ الاعتقاد به والعمل به قسمان : منهم أهل زيغ وأهواء وانحراف يبغون بسبيل الحقّ وصراط الصّدق عوجا وليس من الدّين بشيء . قوله تعالى : « فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ » أي : من الكتاب . قوله تعالى : « ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ » أي : طلبا للفتنة . والفتنة ، الكفر وما دونه من البدع والضّلالات ، فسنّة هذه الفرقة الضّالّة اتّباع المتشابهات وترك المحكمات لأجل ابتغاء الفتنة وتأسيسها وإقامتها . قوله تعالى : « وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ » . هذا بغية أخرى لهم أسوأ عاقبة وأشدّ ضررا على الدّين وأهله ؛ وهي التعرّض لتأويل الكتاب محكمه وظاهره ومتشابهه ، يؤوّلونه حسب ميولهم وطبق آرائهم ويحرّفون الكلم عن مجاري الإفادة والاستفادة ، ويغيّرون مناهج الإفهام والتفهيم بالمغالطات كي تنطبق على ما أخذه من المتشابهات فيقيمون بذلك عماد ضلالهم وزلّتهم . ولو أنّهم بعد أخذ المتشابهات لم يرتكبوا تأويل الكتاب وأبقوا محكمات الكتاب ونصوصه وظواهر الدّين ، لما كان ضررهم على الإسلام بهذه المثابة ، ولم يتمكّنوا من إغواء الضعفاء وإضلال العوام . فهذه المصيبة التي هي أعظم مصيبة في الدّين وهو باب الضلالات ينفتح منه ألف باب من الضلال . وقد ابتلى القرآن الكريم بهذه البليّة العظمى وباشتداد هذه البلوى صار أمر التأويل شائعا رائجا ، جائزا عاديّا ، فما بقي في القرآن أصل محكم إلّا أصابته بليّة التأويل . منها تأويل المعاد والجنّة والنّار بالمثل الخياليّة المنشأة بإنشاء النفس . ومنها نسبة الفجور والفسوق والكفر والضلال إلى اللّه سبحانه وأن نسبة فعل المجعول والمعلول إلى الجاعل أوّلا وبالذات وإلى المجعول ثانيا وبالعرض . ومنها تأويل الخلود . ومنها تأويل حدوث العالم وإثبات قدمه . ومنها تأويل معجزات الأنبياء . وغير ذلك من الأمور . والعجب أنّهم رموا من كان معتقدا بهذه النصوص والمحكمات من الفقهاء والمتكلّمين والمحدّثين ، وحملة الدّين بالقشريّة ونسبوهم إلى الجهالة والبلادة . وهذه النسبة خلاف الانصاف والحق والتحقيق . وفي مرجع الضمير في قوله تعالى : « ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ » بين المفسّرين اختلاف .