محمد باقر الملكي الميانجي

17

مناهج البيان في تفسير القرآن

القضاة بذلك عند الإمام الّذي استقضاهم فيصوّب آراءهم جميعا ، وإلههم واحد ونبيّهم واحد وكتابهم واحد ، أفأمرهم اللّه سبحانه بالاختلاف فأطاعوه ؟ ! أم نهاهم عنه فعصوه ؟ ! أم أنزل اللّه سبحانه دينا ناقصا فاستعان بهم على إتمامه ؟ ! أم كانوا شركاء له فلهم أن يقولوا ، وعليه أن يرضى ؟ ! أم أنزل اللّه سبحانه دينا تامّا فقصّر الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم عن تبليغه وأدائه ، واللّه سبحانه يقول : « ما فرّطنا في الكتاب من شيء » وفيه تبيان لكلّ شيء ، وذكر أنّ الكتاب يصدّق بعضه بعضا ، وأنّه لا اختلاف فيه فقال سبحانه : « وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً » . . . وفيه أنّ الخطبة الشريفة سيقت في توبيخ الجاهلين الّذين تصدّوا لمقام القضاء والفتوى واختلفوا في فتياهم وقضائهم ، لجهلهم بالكتاب ومدارك الأحكام . وهو صلوات اللّه عليه يحتجّ عليهم بأنّ كتاب اللّه سبحانه ليس فيه ما يوجب اختلافهم ، وأنّ البيان الإلهي منار الحجّة وواضح المحجّة . وأنّ كتاب اللّه أجلّ شأنا وأرفع مقاما من أن يتوهّم التناقض والتخالف فيه . وفيه كمال الملاءمة وتمام المناسبة في مقاصده ومراميه . ويشهد بعض الآية على صدق ما تضمّنته الأخرى ، فأين فيه التناقض والتكاذب . وكذلك قوله عليه السّلام في الخطبة 133 : كتاب اللّه تبصرون به ، وتنطقون به ، وتسمعون به ، وينطق بعضه ببعض ، ويشهد بعضه على بعض . . . فإنّ الشهادة والتصديق بين آيات القرآن لا يتحقّقان إلّا إذا كان للآية المصدّقة - بالكسر - والمصدّقة - بالفتح - ظهور في مفادهما . فلو لم يثبت لهما ظهور ولم يبيّن المراد منهما لما يكون موضوع لتصديق إحداهما للأخرى وشهادة واحدة منهما على الأخرى . فتبيّن أنّ مورد التصديق والشهادة إنّما هو بعد تثبيت الظهورات وتبيين المرادات . وهاتان الخطبتان تدلّان على أنّ للمفسّر بعد الأخذ بمفاد آية أن يشهد عليها من آيات أخرى ، لأنّه إذا ظفر على هذه الشواهد وتيسّر له كسب تلك القرائن كان تفسيره أسدّ بنيانا وأوثق برهانا . فإنّ على كلّ حقّ حقيقة وعلى كلّ صواب نورا .