محمد باقر الملكي الميانجي
11
مناهج البيان في تفسير القرآن
وبما وعدهم من مواهبه الكريمة وعطاياه الهنيئة ، ويهدّدهم بانتقامه وسطواته ونقماته على الظّالمين والمتكبّرين والمستكبرين في الدّنيا . ويبيّن لهم ما تؤول إليه عاقبة أمر المتّقين والمحسنين ، والطّاغين والظّالمين والمستكبرين ، في ضمن قصص وأمثال . ويحذّرهم جلّ مجده عن إساءة الأدب في حريمه ، وإضاعة حقوقه الحقّة في السرّ والعلانية . ويزكّي ويطهّر بذلك ظاهرهم وباطنهم . وواضح أنّ النّاس يختلفون في نيل هذه المعارف ودرك هذه الحقائق . فيستشرقون على قدر بصيرتهم ، ويستنيرون على سعة نور فطرتهم ، سيّما بعد ملاحظة تقواهم وقيامهم بالعمل بما يعرفون ويعلمون . فيزيد اللّه الّذين اهتدوا هدى ويؤتيهم تقواهم . وهذا الموقف يحتاج إلى بيان أوسع من ذلك إلّا أنّ هذا المقدار كاف في تذكّر ما نحن بصدده بهذه المرتبة العامّة الّتي يخاطب بها تعالى عقلاء الأمم ويكلّمهم بما يعقلون ويعرفون . وهذا الّذي ذكرناه أمر لا ريب فيه ولا يحتاج إثبات ذلك إلى إقامة دليل عقليّ أو نقليّ . وإنّما الكلام في أنّ القرآن المجيد ، هل تنحصر علومه ومعارفه وحقائقه بهذه المرتبة العامّة الّتي يشترك فيه العالم والجاهل ؛ كي يكون القرآن شرعة لكلّ وارد ؛ يردها واحد بعد واحد ، أو أنّ له ما عدا هذه المرتبة معارف وعلوم وقوانين وعبادات ومكارم وكرائم اختص بحملها وفهمها أولو الألباب والأبصار . وهي أجلّ وأعلى من أن تنال العقول الساذجة العامية . كيف ؟ ! والكلام الّذي تكفّل بجميع التعاليم العالية بالنسبة إلى جميع الأشخاص في كلّ عصر ومصر ، من الكمالات الربوبيّة والأسماء والصفات ، وجميع العوالم العرضيّة والطوليّة ، وشرائعهم وقوانينهم بالنسبة إلى دنياهم وعباداتهم وتكاملهم ورقيهم إلى أقصى الكمالات الممكن نيلها ، متأبّ ومقدّس عن التقيّد بفهم عصر وقوم . وإنّما يفهمون بمقدار عقولهم ويستضيئون على حسب مقدار أنوارهم لا على حسب أمواج الأنوار المودعة فيه . فعلم القرآن بجميع شؤونه وشعبه الوسيعة ، لا يعلمها إلّا اللّه والراسخون في العلم . وهم الهادون والمعلّمون لعلوم القرآن ، وهم المسؤولون عن تربية الأمم والملل في كلّ عصر وزمان ، وعلم القرآن بهذا المعنى خاصّ برسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فهو المعلّم المكمّل ، والسائق المصلح ومن بعده