محمد باقر الملكي الميانجي
10
مناهج البيان في تفسير القرآن
وبارزهم به أشدّ المبارزة . وجدّ المشركون واجتهدوا كلّ الاجتهاد في إطفاء نوره وإبطال دعوته ، ولم يتيسّر ذلك لهم وقاموا بتكذيبه والمكابرة والعناد في قباله ورموه بالسحر والتمويه وأنّه أساطير الأوّلين وقالوا : « لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ » [ فصّلت ( 41 ) / 26 ] فأعجزهم اللّه تعالى بهذا البرهان النوري وغلبهم وجعل كلمته هي العليا وكلمة الّذين كفروا السفلى . ولم يتمكّن المنكرون مع شدّة غيظهم وحرصهم على المكابرة وإبطال نوره ، أن ينالوا من عظمة القرآن ومجده الباهر شيئا قليلا ولا كثيرا . وبديهيّ أنّ قوام هذه المعارضة والمبارزة وهذه الدّعوة الحقّة ليس إلّا بالكلام . ولو أنّهم لم يفهموا ما ألقي إليهم من الحقائق وما أبطل به عاداتهم الوثنيّة الجاهليّة لما كان هناك دعوة ولا مبارزة ولا تعجيز ، ولم ينجرّ الأمر إلى بغيهم وعنادهم وقيامهم بالسيف ومبادرتهم إلى القتال وإزهاق النفوس ، وثباتهم في الموقف إلى آخر ما استطاعوا . على أنّ القرآن الكريم حجّة بين اللّه سبحانه وبين خلقه ؛ وهو حبل ممدود بينه تعالى وبين عباده عند من عرف لغة القرآن ، اللّغة المقدّسة العربيّة . فهو في مرتبة دعوته العامّة يذكّر الناس ويهديهم إلى جميع العلوم الفطريّة الّتي فطر اللّه الناس عليها ، من معرفته تعالى ومعرفة توحيده سبحانه . وكذلك يذكّر الناس بآياته المخلوقة المصنوعة ويسوقهم إلى التدبّر فيها ومعرفة أسرارها . وحيث إنّ القرآن هداية وإرشاد إلى جميع العلوم الفطريّة الّتي يتمكّن النّاس من نيلها ودركها ، وما ألهمهم اللّه تعالى من فجورهم وتقواهم ، فعند مخاطبة اللّه تعالى إيّاهم بما يعظهم ويرشدهم يتذكّرون بضياء المعرفة وشعاع العقل ، ويستنيرون بها فيستأديهم اللّه سبحانه ميثاق فطرته ، ويثير فيهم دفائن عقولهم ، فيأخذهم تعالى بالإيمان والإقرار بما وجدوا وعلموا ببداهة عقولهم ؛ من الحقائق والمعارف والمحسّنات والمقبّحات والمنكرات الضروريّة ، وبالجملة المستقلّات العقليّة المصطلحة عند الفقهاء على عرضها العريض ؛ وخاصّة الانتهاء والاجتناب من كلّ فاحشة وقبيحة ، والقيام بكلّ أمر معروف حسن . ويبشّرهم سبحانه بحنانه ووفائه لأهل الوفاء له تعالى من المحسنين والمتّقين ،