عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
71
معارج التفكر ودقائق التدبر
فاللّه عزّ وجلّ في اعتقاد المشركين هو خالق الكون كلّه بقدرته العظيمة ، وكلّ ذي فكر يدرك أنّ القدرة العظيمة الّتي خلق اللّه عزّ وجلّ بها الكون ، وهو مهيمن عليه بربوبيّته الدائمة ، لا بدّ حتما أن تكون هي القوّة الغالبة دواما . فمن نصره اللّه بقدرته مكافأة له على حسن عبادته له ، وصدق التجائه إليه واعتماده عليه ، فهو المنصور العزيز الغالب لا محالة ، ومن خذله اللّه وأذلّه لم تنفعه قوّة في الوجود بالغة ما بلغت . إذن : فشركاء المشركين لا يملكون لعابديهم وطالبي النّصر منهم تأييدا ولا نصرا ، ولا يملكون أن يجلبوا لهم نفعا ، أو يدفعوا عنهم ضرّا . فمن كان يريد العزّة ، أي : القوّة الغالبة ، فليعلم ، وليضع في تصوّره دائما أنّ العزّة للّه جميعا ، وعليه أن يكون مؤمنا حقّا ، وعابدا للّه حقّا ، وعاملا بمراضيه ، وملتزما في سلمه وحربه بأوامر اللّه ونواهيه ، وناصرا دينه على وفق شرائعه ، وضمن صراطه المستقيم ، وداعيا ملتجئا إليه أن يهبه النّصر المبين . فإذا فعل ذلك نصره اللّه وأعزّه ، وكان هو الغالب لا محالة ، كما قال اللّه عزّ وجلّ في سورة ( محمّد / 47 مصحف / 95 نزول ) : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ . ( 7 ) وهذه القضيّة : مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً مؤلّفة من جملة شرطيّة . مَنْ اسم شرط جازم وهو مبتدأ وخبره جملة الجزاء . وجاءت جملة : فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً دالّة على جملة الجزاء ، وسادّة مسدّها ، وأصل العبارة يمكن تقديره كما يلي : من كان يريد العزّة طلبها من اللّه على وفق أحكام شريعته لعباده ، فللّه العزّة جميعا .