عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
50
معارج التفكر ودقائق التدبر
فهو كلّ موسوس خنّاس ، يوسوس في صدور الناس ، من الجنّة والنّاس ، فيغرّ ويخدع بالتّزيينات الّتي تستدرج الإنسان إلى مواطن الإثم والشّرّ ، ومعصية اللّه ورسوله ، وتصوّر له الباطل بصورة الحقّ ، عن طريق زخرف القول . التّغرير والغرور : الإطماع بالباطل ، وإيهام النّفع والصّلاح فيما هو ضرّ وفساد . وقد نهى اللّه عزّ وجلّ الناس بهذه الجملة عن أن يغرّهم الغرور ، أي : عن أن يتأثّروا بوسائله التّغريريّة الّتي يخادع بها . فمعنى : وَلا يَغُرَّنَّكُمْ : لا تغترّوا بما يخدعكم به . إنّ منطوق عبارة هذا النهي يدلّ على أنّ الشّيطان الغرور هو المنهيّ عن التغرير ، ومعلوم أنّ الشيطان يمارس تغريره دواما ، تنفيذا لما كان قد توعّد به من الإغواء ، فكان لا بدّ من حمل العبارة على معنى : لا تمكّنوا الغرور من أن يؤثّر عليكم ، بإفساد مفهوماتكم ، وإفساد نفوسكم بوساوسه وتسويلاته وتغريراته . ونتساءل : كيف يغرّ الشيطان الغرور باللّه جلّ جلاله وعزّ سلطانه ؟ ! وتنفتح أمامنا في الإجابة على هذا السّؤال آفاق متعدّدة ، منها فكريّة ، ومنها عاطفيّة ، ومنها نفسيّة شهويّة ، وبعضها يدخل من أبواب عفو اللّه وغفرانه ، لاستدراج الإنسان إلى ارتكاب المعاصي ، ثمّ الانتقال به خطوة فخطوة حتّى يجحد ربّه ، ويكون من الكافرين الّذين يستحقّون الخلود في عذاب السّعير . فالتغرير باللّه هو بمعنى التّغرير بمطالب اللّه من عباده للتّهاون بها ، ثمّ معصية اللّه فيها ، والتّغرير بمفهومات الدّين الّذي اصطفاه لهم ، تشكيكا فيها ، والتّغرير بوعد اللّه ووعيده ، لتكذيبهما ، أو اعتبارهما لمجرّد التخويف والترغيب ، لا للتحقيق والتّنفيذ .