عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
80
معارج التفكر ودقائق التدبر
عن قصّة الرّجل المؤمن الّذي أسرع يسعى من أقصى المدينة ، حتّى وصل إلى حيث اجتمع قادة أهلها ، وجمهور من عامّتهم ، لتنفيذ ما توعّدوا به الرّسل ، قد دلّ على مبلغ إيمان هذا الرّجل وتضحيته بنفسه . إنّه من أقصى المدينة وعلم بالخبر ، فجاء يسعى ، ومثله لا بدّ أن يشقّ صفوف الجماهير المجتمعين حتّى يبلغ دائرة الوسط ، وهذا العمل يدلّ على أنّه مجاهد أقبل في حالة رويّة وتصميم ، لينصر المرسلين الوافدين إلى قومه من غير قومه ، ويدلّ على أنّه لم يكن حاضرا في مجتمع القوم ، فبلغه الخبر ، فتحمّس بانفعال لينصر الرّسل ، وقد كان من الذين آمنوا بهم ، واستجابوا لدعوتهم . ودلّ تقديم عبارة : مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ على فاعل جاءَ وهو رَجُلٌ على أنّ حضوره من أقصى المدينة قد كان سعيا جهاديّا عن حماسة وتصميم وتضحية بالنفس ، دفاعا عن الحقّ الرّبّاني ، وقد كان من نتيجة سعيه أنّه جاهد ونصر دعوة الحقّ ، واستشهد في سبيل اللّه . بخلاف الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى مستخفيا ، ليبلّغ موسى عليه السّلام ، بأنّ القوم يأتمرون به ليقتلوه ، ولينصحه بأن يخرج . إنّه إذ لم يكن لقدومه من أقصى المدينة إلّا الإشارة إلى أنّه من الّذين لهم معرفة بما يجري في القصر الفرعوني ، ومداخلة ضمن الملأ الذين يقرّرون ، لم يكن داع لتقديم عبارة مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ على الفاعل الّذي هو : ( رجل ) في قول اللّه عزّ وجلّ في معرض الحديث عن قصّة موسى عليه السّلام ، في سورة ( القصص / 28 مصحف / 49 نزول ) : وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ ( 20 ) . فمن دواعي تقديم ما حقّه التأخير في الجملة العربيّة التّنبيه على أمر