عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
79
معارج التفكر ودقائق التدبر
من ظلم وعدوان ، وفسق وبغي في الأرض وفساد وإفساد ، فكلّ أهل القرى الأخرى يعملون مثل أعمالنا . فقال لهم رسلهم الثلاثة : بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ : أي : ليست أحوالكم العدوانيّة الظالمة مثل أحوال أهل القرى الأخرى ، وليست النّسبة فيكم مماثلة للنّسبة في غيركم . إنّ نسبة قبائحكم وجرائمكم قد زادت فيكم زيادة فاحشة إلى دركة الإسراف في الإثم ، الّذي يستدعي أن ينزل اللّه بكم هلاكا عامّا شاملا ، كما أنزل بالأقوام الّذين أسرفوا من قبلكم فأهلكوا إهلاكا عامّا شاملا . وكان لا بدّ أن ينقطع بهذا الحوار الدّعويّ ، ويترقّب الرّسل الثلاثة نصر اللّه . * * * قول اللّه عزّ وجلّ : * وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ( 20 ) اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ ( 21 ) : عند انقطاع الحوار الدّعوي وتأزّم الموقف ، ووصول ذوي السّلطان في المدينة إلى طور تنفيذ ما هدّدوا الرّسل الثلاثة به ، جاء من أقصا المدينة رجل مجاهد يسعى لينصر دعوة الرّسل ببيانه ، مضحّيا بنفسه لنصرة الحقّ ، فوقف في وسط جماهير أهل المدينة خطيبا وهو منهم . أقصى المدينة : هو أبعد أماكن المدينة عن وسطها ، وعن مركز الحكم وسلطة التّنفيذ فيها ، يقال لغة : « قصا يقصو » و « قصي يقصى » أي : بعد . قول اللّه تعالى : وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى في بدء الحديث