عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

75

معارج التفكر ودقائق التدبر

ومعلوم أنّ أمثال هذه الذرائع والتّعلّات تجد رواجا عند الجماهير ، للغوغائيّة الّتي تشيع فيهم ، ولسيطرة المفهومات الخرافيّة الّتي تكثر بين أهل الكفر ، ولا سيما أصحاب العقائد الوثنيّة ، الذين لا يؤمنون بيوم الدّين ، ويجعلون لأوثانهم تأثيرات غيبيّة في أحوال الناس ، وفي الظواهر الطبيعيّة في الأرض ، الّتي تتمّ بقضاء اللّه وقدره . وأتبعوا تطيّرهم برسل ربّهم متذرّعين بأنّ ما نزل بهم من مصائب قد كان بسببهم ، أن هدّدوهم بالقتل رجما بالحجارة ، مع عذاب أليم يمسّونهم به في أجسادهم ونفوسهم . قالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ : أي : قال الملأ من أهل القرية للرّسل الثّلاثة ، إنّا نرى أنّ ما نزل فينا من مصائب قد كان بسببكم وبسبب دعوتكم . التطيّر : التشاؤم بالأشياء ، أو بالأشخاص ، أو بالأحداث ، كمرئي ، أو مسموع ، وأصل التّطيّر مأخوذ من زجر العرب للطّير ، فإذا طار إلى جهة اليمين تفاءلوا ، وإذا طار إلى جهة الشّمال تشاءموا ، ثمّ صار كلّ تشاؤم بشيء ما يطلق عليه لفظ « طيرة » ، وضدّ الطيرة التفاؤل بالأشياء ، وكان الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم يتفاءل ولا يتطيّر . وجاء فيما ثبت عنه صلوات اللّه وسلاماته عليه قوله : « لا عدوى ولا طيرة » . أي : لا عدوى تؤثّر بذاتها دون قضاء اللّه وقدره أو إذنه ، ولا توجد أشياء ، ولا أحياء ، ولا أحداث ، لها صفات خفيّة تحمل شؤما حتّى يتطيّر بها ، وهذا المعنى لا يتنافى مع وجوب اتقاء ما فيه شرّ أو ضرّ أو أذى ، بحسب صفاته التي فطره اللّه عليها ، كالحيوانات المفترسة ، أو السّامة ، وكالحشرات الضارّة أو المؤذية ، فتحاشيها حذرا من شرورها ليس من الطّيرة ، بل هو من وسائل الوقاية من شرّ ما خلق اللّه في كونه .