عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

76

معارج التفكر ودقائق التدبر

وقد أمرنا اللّه عزّ وجلّ بأن نستعيذ به من شرّ ما خلق . اشتملت هذه الآية على مقولتين قالهما ملأ أصحاب القرية لرسل ربّهم . المقولة الأولى : دلّ عليها قولهم : إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ : أي : إنّ ما نزل بنا ممّا نكره من نقص في الأموال والأنفس والثمرات ، قد كان بسبب وجودكم بيننا ، ودعوتكم الّتي جئتمونا بها . والمعنى : فكفّوا عن دعوتكم حتّى يذهب عنّا ما نزل بنا من مكروه . المقولة الثانية : دلّ عليها قولهم : لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ ( 18 ) : لَئِنْ : اللّام موطئة للقسم ، والتقدير : نقسم لئن لم تنتهوا عن متابعة دعوتكم لنرجمنّكم ، وليمسّنّكم منّا عذاب أليم . قدّم التّهديد بالقتل بوسيلة الرّجم بالحجارة ، الّذي كان إحدى وسائل القتل في العصور القديمة للمنبوذين المطرودين ، للتخويف بأشدّ الأمرين ابتداء ، وعطف عليه التّهديد بأن يمسّهم منهم عذاب أليم بالواو الّتي هي لمطلق الجمع فلا تفيد ترتيبا ولا تعقيبا ، مع ما في تأخير جملته من صياغة ملائمة لنسق الآيات ، وإذ كان من المعلوم بداهة أنّ تعذيبهم عذابا أليما غير قاتل يكون عادة قبل الرّجم القاتل ، كانت الدلالة الفكريّة مغنية عن استخدام التقديم في الترتيب ، للإشعار بأنّ الرّجم يكون هو المتأخّر لدى التنفيذ . وجاء التعبير بالمسّ للدّلالة على أنّ التعذيب قبل الرّجم لا يصل إلى مستوى القتل . * * *