عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

71

معارج التفكر ودقائق التدبر

الأمر الأوّل : أنّهم من الّذين ينكرون الرّسالات الرّبانيّة للناس ، مع إيمانهم باللّه عزّ وجلّ ، وهذا ظاهر من قولهم : وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ . الأمر الثاني : أنّهم يؤمنون بأنّ اللّه عزّ وجلّ هو الرحمن ، على خلاف عقيدة جمهور مشركي مكّة قبل الإسلام ، الّذين كانوا يؤمنون باللّه ربّا خالقا للكون ، ولا يؤمنون بأنّه الرّحمن الرحيم ، بل ينسبون صفة الرحمة إلى شركائهم ، ويلتمسون عند شركائهم منافعهم ومصالحهم الدّنيوية ، ودفع المضار عنهم ، ويرجون لديهم أن ينصروهم على أعدائهم ، فيجعلون لشركائهم بعض خصائص الرّب ، وينفونها عن الرّبّ الخالق . وبما أن أصحاب هذه القرية الّذين أرسل اللّه إليهم ثلاثة رسل يؤمنون بأن اللّه هو الرّحمن ، فالظاهر أنّ عقيدتهم في شركائهم تشبه عقيدة بعض مشركي العرب ، الّذين كانوا يقولون في شركائهم : ما نعبدهم إلّا ليقرّبونا إلى اللّه زلفى . الأمر الثالث : أنّهم ينكرون الآخرة ويوم الدين ، لأنّ أعظم ما تشتمل الرّسالات الرّبّانيّة بعد الإيمان باللّه وبصفاته وأسمائه الحسنى ، هو الإيمان بالجزاء ، وبيوم الدّين ، وبمطالب اللّه من عباده في رحلة امتحانهم في الدّنيا ، للحساب ، وفصل القضاء ، وتنفيذ الجزاء يوم الدّين . * وأمّا الاتّهام : فقد دلّ عليه قولهم : إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ خطابا لرسلهم ، أي : ما أنتم إلّا بشر تكذبون في ادّعاء أنّكم رسل تبلّغون دين اللّه للنّاس . وإذ وجّهوا هذا الاتّهام للرّسل الثلاثة ، بناء على توهّمهم بأنّ البشر لا يصلحون لتلقّي رسالة عن اللّه بوساطة الوحي ، وتوهّمهم بأنّ الرّحمن ما أنزل للنّاس رسالة ما ، فقد ألغوا كلّ احتمال يستبعد عن الرّسل الثلاثة صفة الكذب ، كاحتمال أن يكونوا متوهّمين لم يتعمّدوا الكذب ، وكاحتمال