عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

72

معارج التفكر ودقائق التدبر

أن يكون رئيّ من الجنّ كذب عليهم فصدّقوه ، إلى غيرهما من احتمالات . وإذ ألغوا من تصوّراتهم كلّ الاحتمالات الّتي تستبعد عنهم صفة الكذب ، مع معتقداتهم الفاسدات المتأصّلات في أعماق نفوسهم ، لم يبق أمامهم إلّا أن يتّهموا الرّسل الثلاثة بأنّهم يكذبون ، لغاية يقصدونها لأنفسهم من ادّعائهم أنّهم يبلّغون أهل هذه القرية دين اللّه . * * * قول اللّه تعالى : قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ( 16 ) وَما عَلَيْنا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ( 17 ) . في مقابل مقالات أصحاب القرية ، التي تضمّنت اعتراضا ، وافتراء واتّهاما ، لم يكن لدى الرسل الثلاثة إلّا أن يجيبوا بجوابين : الجواب الأول : دلّ عليه قولهم : . . . رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ( 16 ) لقد أعادوا بهذا الجواب بيان أنّهم مرسلون حقّا وصدقا من ربّهم ، مع زيادة مؤكّدات في العبارة ، على عبارتهم السّابقة الّتي قالوها لهم ، وهي : . . . إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ ( 14 ) . فالعبارة السّابقة قد اشتملت على مؤكّدين هما : « إنّ - والجملة الاسمية » . أمّا عبارة : . . . رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ( 16 ) فقد اشتملت على أربع مؤكّدات : « ربّنا يعلم ( فهذه العبارة بقوّة القسم ) - وإنّ - والجملة الاسمية - واللّام المزحلقة ( وهي لام الابتداء زحلقت للخبر بسبب دخول « إنّ » على المبتدأ ) - » . الجواب الثاني : دلّ عليه قولهم : وَما عَلَيْنا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ( 17 ) أي : وما أوجب علينا ربّنا إلّا أن نبلّغكم الرّسالة التي كلّفنا أن نوصلها