عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

70

معارج التفكر ودقائق التدبر

هذا الكلام الّذي وجّهه أهل القرية لرسلهم يتضمّن اعتراضا ، وافتراء ، واتّهاما ، وربما قالوا هذا على مراحل . * أمّا الاعتراض : فقد دلّ عليه قولهم ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا أي : وليس من شأن البشر أن يكونوا رسل ربّهم . وقد تكرّر هذا الاعتراض على ألسنة كفّار القرون الذين أهلكهم اللّه ، وجاء أيضا على لسان العرب الّذين كفروا بالرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم . وجاء في القرآن دفع هذا الاعتراض بالحجج والبراهين الدامغة . وهو اعتراض قائم على توهّم أنّ رسل اللّه إلى البشر لا بدّ أن يكونوا من الملائكة ، لا يأكلون ولا يشربون ولا ينكحون ، ولا يمشون لكسب أرزاقهم كما يفعل الناس ، مع أنّ الحكمة تقتضي أن يكون الرّسل إلى البشر من البشر أنفسهم « 1 » . * وأمّا الافتراء : فقد دلّ عليه قولهم : وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ أي : وما أنزل الرحمن على بشر من شيء يتضمّن رسالة من اللّه للناس ، ككتاب ، وتعاليم ، ووصايا ، وأحكام ، وشرائع . أو وما أنزل الرّحمن من شيء من ذلك للناس ، على بشر أو غير بشر . « من » في عبارة مِنْ شَيْءٍ حرف جرّ زيد للدّلالة على استغراق العموم أو التنصيص عليه . « شيء » مجرور لفظا منصوب محلا على أنه مفعول به . وهذه المقولة الافترائيّة دلّت على ثلاثة أمور :

--> ( 1 ) انظر الملحق الثالث من ملاحق تدبر هذه السورة « اعتراض الأمم على بشرية الرّسل » .