عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

47

معارج التفكر ودقائق التدبر

قول اللّه تعالى : * إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ ( 8 ) . أَغْلالًا : جمع « غلّ » وهو طوق من حديد أو جلد ، يجعل في عنق الأسير ، أو المجرم ، أو في أيديهما ، وقد تجمع يد المغلول إلى عنقه ، وتطوّقان بالغلّ . الْأَذْقانِ : الأذقان : جمع « الذّقن » وهو مجتمع اللّحيين من أسفلهما . مُقْمَحُونَ : أي : رافعوا رؤوسهم إلى الأعلى ، يقال لغة : أقمح الغلّ الأسير ، أي : ضيّق الغلّ على عنقه ، إذ كان عرضه أكثر من مسافة عنقه فاضطره إلى رفع رأسه . والمراد بالجعل هنا في عبارة : إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا تطبيق سنّة من سنن اللّه في كونه ، وهي أنّ من جعل نفسه باختياره الحرّ أسير جوامحه من الأهواء والشهوات والكبر ، وحبّ العلوّ في الأرض ، والرّغبة في الفجور ، فإنّه لا بدّ أن يرفض دعوة الحقّ الّتي جاء بها الرّسول ، ولا بدّ أن يعاند ويستكبر ، وهذا من سنن اللّه عزّ وجلّ وقوانينه في النفوس ذوات الإرادات الحرّة المبتلاة في ظروف الحياة الدّنيا . وسنن اللّه عزّ وجلّ وقوانينه تعطي نتائجها بجعل منه تبارك وتعالى ، وإن كانت أسباب استخدامها من إرادات العباد . فمن رمى نفسه من شاهق على الصّخور ، قتله اللّه بالصّخور الّتي ارتمى عليها ، وكسّر له بها عظامه ، ومزّق لحمه ، وشحمه ، وأعصابه ، ضمن سننه وقوانينه الثّابتة . ومن استجاب لدواعي الكفر في نفسه ، شعر بأنّ شيئا نفسيّا يأسره ،