عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

48

معارج التفكر ودقائق التدبر

كالغلّ في عنقه ، فيجعله يرفض الإيمان والاعتراف بالحقّ ، ضمن سنن اللّه وقوانينه الثابتة الّتي نظّم بها حركات النفوس وأعمالها . فهذه الآية تقدّم صورة تمثيليّة رائعة ، لحالة رفع رؤوس الكافرين المستكبرين ، ورفع أنوفهم إلى الأعلى ، إذ رفضوا الاستجابة لدعوة الرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ، بعد أن دعاهم طويلا إلى ما جاء في القرآن الحكيم ، وبياناته وحججه . وهذه الصورة هي في الحقيقة صورة تمثيليّة لحالة نفوسهم من وراء رؤوسهم . إنّ هذه الصورة التمثيليّة تدلّ على أنّ رفضهم وعنادهم ظاهرة مادّيّة مشهودة ، لأسباب نفسيّة بعيدة كلّ البعد عن منطق الحقّ ، وتدلّ على أنّ رفضهم وعنادهم ناتجان عن اختيارهم الحرّ ، ولا أثر للجبر فيه ، فمسؤوليّتهم إذن تجاهه مسؤوليّة تامّة . وكلّنا نعلم أنّ ظاهرة رفض شيء ما قد يعبّر عنها برفع الرأس إلى الأعلى نفيا واستكبارا . فما هو سبب رفع رؤوسهم عنادا لآيات اللّه في القرآن الكريم ، واستكبارا عنها ؟ ! إنّ الآية تشير باللّمح البارع الّذي يتصيّده المتفكّر المتدبّر الأديب الأريب ، إلى أنّهم في حقيقة نفوسهم أسرى . ويطرح سائل سؤالا يقول فيه : كيف هم أسرى وقد كانوا أصحاب القوة والسّلطان في مكّة ، وكان المسلمون أتباع الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم مستضعفين بينهم ؟ ! ويجيب التّحليل اللّماح بأنّهم أسرى شهواتهم ، وأهوائهم ، وكبرهم ،