عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

106

معارج التفكر ودقائق التدبر

وبما أنّ أجلّ منافع الحبّ أن يأكل منه النّاس قال اللّه تعالى : فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ ( 33 ) . وسكت النّصّ هنا عمّا في الحبّ من منافع لدوابّ النّاس وأنعامهم ، وما في الحبّ من منافع أخرى كثيرة ، اكتفاء بذكر النّفع الأجلّ ، ولينطلق ذهن المتدبّر إلى ملاحظة المنافع الأخرى بنفسه ، واكتفاء بما جاء التّصريح به في نصوص أخرى ، منها قول اللّه عزّ وجلّ في سورة ( عبس / 80 مصحف / 24 نزول ) : فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ ( 24 ) أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا ( 25 ) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا ( 26 ) فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا ( 27 ) وَعِنَباً وَقَضْباً ( 28 ) وَزَيْتُوناً وَنَخْلًا ( 29 ) وَحَدائِقَ غُلْباً ( 30 ) وَفاكِهَةً وَأَبًّا ( 31 ) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ ( 32 ) . واشتقاقا من إحياء الأرض بعد موتها في امتنان اللّه على عباده بعظيم نعمته ، جاء في النّصّ التّنبيه على ظاهرة الجنّات في الأرض ، وهي البساتين المستورة أرضها بأشجارها ، وخصّ اللّه عزّ وجلّ بالذّكر من الأشجار النّخيل والأعناب ، فهما صنفان لهما قيمة عظمى لدى الصّفّ الأوّل من المخاطبين بالنّصّ ، وهم العرب ، مع ما في هذين الصّنفين من ميزات عظيمات كشفت عنها بحوث علماء النّبات ، وعلماء الغذاء . وجاء في النصّ أيضا التنبيه على ظاهرة العيون الّتي يفجّرها اللّه من الأرض لسقيا الجنّات ، فتجري فيها أنهارا أو سواقي ، ولسقيا النّاس ودوابّهم وأنعامهم ، فقال اللّه تعالى : * وَجَعَلْنا فِيها جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ ( 34 ) : وَجَعَلْنا فِيها : الجعل : إذا كان منسوبا إلى اللّه عزّ وجلّ فهو بمعنى الخلق ، ولو كان من التصاريف في مخلوقاته جلّ جلاله ، لأنّ كلّ أفعاله ذوات الآثار التكوينيّة خلق ، ولو لم يكن خلقا من العدم العامّ .