عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

105

معارج التفكر ودقائق التدبر

قول اللّه تعالى : * . . . وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ ( 33 ) وَجَعَلْنا فِيها جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ ( 34 ) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَ فَلا يَشْكُرُونَ ( 35 ) : أتبع اللّه عزّ وجلّ دليل إحياء الموتى من خلال لفت الأنظار إلى إحياء الأرض بعد موتها ، بالامتنان على عباده ، بما تنتج النّباتات اللّاتي صارت ذوات حياة بعد موتها ، من حبّ يأكل منه النّاس ، ويتلذّذون بأكله مع تناول غذائهم منه . ومن ثمر تخرجه الأشجار ، فيأكل منه النّاس غذاء واستمتاعا بطعومه اللّذيذة . وأتبع اللّه عزّ وجلّ هذا الامتنان بالتوجيه لواجب شكره على نعمه ، أو التّذكير به . إنّ الامتنان بطائفة من نعم اللّه على عباده ، اشتقاقا من آية كونيّة جاء لفت أنظار المتفكّرين إلى كونها إحدى الآدلّة المتكرّرة في أحداث الكون على البعث إلى الحياة يوم الدين ، بغية حثّ أولي الألباب على شكر اللّه على نعمه ، لاجتياز رحلة امتحانهم في الحياة الدّنيا بالإيمان ، والعمل الصالح ، من فنون البيان الرّفيع الّذي اشتملت عليه آيات القرآن المجيد . وهذا يدخل فيما يسمّى عند علماء البديع : « الإدماج » وهو إدخال غرض بياني في غرض آخر ، أو إدخال فكرة في فكرة ، والتذكير بواجب الشكر في العبارة الأخيرة : أَ فَلا يَشْكُرُونَ لا يلغي فيما أرى بديعيّة « الإدماج » في فقرات النّصّ قبلها ، بل هو يكشف الفكرة المدمجة . * وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا : أي : وأخرجنا من الأرض الّتي أحييناها حبّا من مختلف الأجناس والأنواع والأصناف ، فمنه غذاء ، ومنه دواء ، ومنه ذو منافع أخرى .