عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
82
معارج التفكر ودقائق التدبر
قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً . . . ( 187 ) . في هذا النصّ تعليم ربّانيّ يعلّم اللّه عزّ وجلّ به رسوله ، كيف يجيب السّائلين عن وقت قيام السّاعة ، وبالتأمّل والتدبّر نلاحظ أنّ فيه إجابة شاملة ، عن كلّ التساؤلات المحتملات عن السّاعة ، بأربع جمل ليس بينها حرف عطف ، لأنّ بينها كمال اتصال . الجملة الأولى : إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي : أي : ما علم وقت قيامها إلّا عند ربّي ، بحذف كلمتي : « وقت قيامها » للعلم بهما ، إذ المسؤول عنه هو وقت قيامها ، أمّا ما سوى ذلك من أمرها فقد جاء به الخبر ، فالتصريح بوقت قيامها إطناب لا حاجة له . ودلّ هذا الحصر على أنّ وقت قيام السّاعة أمر من علم المستقبل الذي قدّره اللّه وقضاه في خطّة التكوين ، ولم يعلم به أحدا من خلقه ، ولم يجعل في كونه أسبابا توصل إلى العلم به ، فهو ممّا أخفاه اللّه على جميع خلقه ، لحكمة من حكمه الجليلة ، فلا يعلمه نبيّ مرسل ، ولا ملك مقرّب . إذن : فسؤال السّائلين عنه سؤال لا يملك الرسول الإجابة عليه ، باعتبار أنّه أمر يجهله ، لا باعتبار أنّه يكتمه وهو يعلمه . وهنا قد يتحرّك في نفوس السائلين سؤال آخر وهو : ألا تستطيع يا محمّد وأنت رسول اللّه كما تقول ، أن تسأل ربّك عن وقت قيام السّاعة ، والإلحاح عليه في المسألة حتّى يعلمك به ، فتجيبنا على سؤالنا كما يبيّن لك ؟ . وجوابا على هذا السؤال المطويّ الّذي يستدعيه الذهن عقب الجواب الأول ، جاءت الجملة الثانية :