عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

83

معارج التفكر ودقائق التدبر

الجملة الثانية : لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ : جلّى فلان الشيء ، أي : كشفه وأظهره وأوضحه ، فتجلّى . والمعنى : لا يكشف ولا يظهر العلم بوقت قيام السّاعة إلّا اللّه وحده ، ولا يكون هذا الكشف والإظهار إلّا عند قيامها ، بدليل قول اللّه تعالى : لِوَقْتِها أي : في وقتها ، أو عند وقتها . وهذا يدلّ على أنّ اللّه عزّ وجلّ قد قضى بأن لا يعلم بوقت قيام السّاعة أحدا من خلقه ، أو بأن لا يستطيع أحد الإعلام بوقتها إلّا هو سبحانه ، وهو لا يعلم به إلّا عند وقت قيامها . هذا قضاء مبرم لا تغيير فيه ولا تبديل . وقول الرّسول صلّى اللّه عليه وسلم للسّائلين هذه العبارة يتضمّن معنى : أنّ اللّه عزّ وجلّ لا يعلمني به ولو سألته وألحفت عليه في المسألة . إذن : فلا مطمع في الوصول إلى العلم بوقت قيام السّاعة ، ولو سألت ربّي ذلك ، فكفّوا عن السّؤال . وهنا قد يتحرّك في نفوس السّائلين سؤال ثالث ، وهو : إذا أخفى اللّه عزّ وجلّ العلم بوقت قيام السّاعة عن أهل الأرض ، فهل أخفاه اللّه أيضا عن ملائكته المقرّبين في السّماء ، أو هل أعلمهم به ولم يأذن لهم بإظهاره لأحد ؟ ؟ ومع أنّ الجملة الأولى الحاصرة : إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي قد تضمّنت بعمومها الحاصر الجواب على هذا السؤال ، لكن قد يقع في أذهان بعض السّائلين أنّ الحصر خاصّ بالبشر ، أو بالمكلفين من الإنس والجنّ ، لأنّ السّاعة تقوم لإنهاء نظام الحياة الدّنيا ، الّتي رتّبت في خطّة الوجود لابتلائهم ، ومن منطلق هذا الاحتمال يرد السّؤال الثالث ، وقد جاء الجواب عليه في الجملة الثالثة :