عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
7
معارج التفكر ودقائق التدبر
الملحّة ، الّتي لا نجد أسبابا لتحقيقها غير اللجوء إلى القوّة الغيبيّة الكبرى ، العليمة الحكيمة الرّحيمة القديرة على كلّ شيء . وليس من العقل والرّشد أن نستبعد هذا ، فمعظم ما جرى لنا في طفولتنا ، وكثير ممّا جرى لنا ونحن أحداث مميّزون قد نسيناه ، ويخبرنا عنه أهلونا والّذين كانوا مشرفين على تربيتنا ، فنحن نحدّث به رواية عنهم . وبعضه نتذكّره تذكّرا باهتا ، وبعضه نتذكّره وفيه مقدار غير كثير من الجلاء ، وبعضه نتذكّره جليّا . ونصدّق ما يحدّثنا به أهلونا عن طفولتنا ، وما يحدّثنا به من كانوا مشرفين على تربيّتنا ، وكثير منه قد اكتسبنا به معارف وعلوما ، وصارت هذه المعارف والعلوم أجزاء من ذوات عقولنا وأفكارنا ، وفي مهارات أعضائنا . لقد تعلّمنا اللّغة الّتي نتحدّث بها ، وحين بدأنا تعلّمها كنّا شاهدين كلّ مرحلة من مراحلها ، لكنّنا بعد أن كبرنا نسينا كلّ هذه المراحل الّتي عشناها وشهدناها ، وبقيت لدينا آثارها وثمراتها ، فالملكة البيانيّة ، ومحفوظاتنا من الكلمات ثمرة تلك المراحل . أفننكرها لأنّنا نسيناها ؟ ! أفنكذّب من يحدّثنا عنها لأنّها مسحت من ذاكراتنا ، أو طويت في أعماق تلافيفها ؟ ! لو لم يحدّثنا أهلونا ومربّونا عنها ، لكان علينا أن نثبتها بدليل آثارها فينا . كذلك نقول فيما أخبرنا اللّه عزّ وجلّ خالقنا وربّنا عنه ، من أنّه أشهدنا على أنفسنا بأنّه ربّنا ، أي : خالقنا وممدّنا بعطاءات ربوبيته دواما ، منذ كنّا في مرحلة عالم الذّرّ ، من مراحل بدء تكويننا ، وهي غير مراحل عوالم التحرّك من الأصلاب ، إلى الأرحام ، إلى الحياة الدنيا .