عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

6

معارج التفكر ودقائق التدبر

المؤمنين ، فيعلّمهم طريقة من طرائق إقناع المنكرين ، وينبّئهم بما يقوّي إيمانهم ، ويحذّرهم من الإنكار والجحود مستقبلا . تمهيد : هذا درس يتعلّق بفقرة مهمّة من تاريخ ذرّيّة بني آدم ، وهم في مرحلة التكوّن الذّرّيّ ، إذ كانوا في ظهور آبائهم ، فاستخرجهم اللّه ربّهم ، وأعطاهم ملكة الوعي ، وإدراك الخطاب بما يفهمون ، وأشهدهم على أنفسهم قائلا لهم : ألست بربّكم ؟ قالوا تلقائيّا وانسجاما مع الفطرة الّتي فطرهم اللّه عليها : بلى شهدنا أنت ربّنا ، أي : أنت خالقنا وممدّنا بعطاءات ربوبيّتك ، والمتصرّف فينا بتصاريفك ، ما أبقيتنا في الوجود على اختلاف مراحله ، منذ النّشأة الأولى في عالم الذّرّات ، حتّى البقاء الأبديّ الّذي تقضيه لنا . وألحق بهذا الدّرس آية فاصلة تبيّن سنّة اللّه في بيانه في كتابه ، القائمة على تفصيل الآيات إلى أجزائها ، والتعريف بها ، في أماكن مختلفة من السّور . إنّ الفطرة التي فطر اللّه النّاس عليها من الاعتراف للرّبّ الخالق الواحد الأحد بربوبيته لهم ، والإذعان له بهذا الحقّ ، قد أشهد اللّه به الناس على أنفسهم وهم في مرحلة عالم الذّرّ ، وهم خالون من شهوات الحياة ونزعاتها ونزغاتها ، قبل أن يوصلهم بعمليّات الخلق إلى مرحلة حياة الابتلاء ، مزوّدين بالأهواء والشهوات ، والنزعات والنّزغات ، والإرادة الحرّة ، والقدرة على كسب الخير ، واكتساب الشرّ . وكان ذلك الإشهاد بصورة أخبرنا اللّه عنها في كتابه المنزّل ، بعد أن لم يبق لها في ذاكراتنا صور تدرك ، لكن بقيت أدلّة المشهود به في عقولنا المفكّرة ، وبقيت خيوط تشدّنا إليه في مشاعر إحساساتنا الداخليّة العميقة ، الّتي تتحرّك بها قلوبنا ، وتجذبنا نحوه عند اضطرارنا ، وعند حاجاتنا