عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
47
معارج التفكر ودقائق التدبر
وموازنة ما في الأشياء من منافع ومضارّ ، حتّى لا تسقط الإرادة فريسة الأهواء والشهوات وحبّ العاجلة من متاع الحياة الدنيا ، المفضي إلى الحرمان من النعيم المقيم الخالد في الآجلة ، والتعرّض للعذاب الأليم فيها ، الّذي يفدي العقلاء أنفسهم منه بكل ما في الحياة الدّنيا من ملك عظيم ، ولذّات آسرات ، وشهوات عارمات ، يتقاتل عليها طلّاب الحياة الدّنيا . لا يَفْقَهُونَ بِها المراد بالفقه هنا ليس مجرّد الفهم والإدراك ، بل هو العلم ببواطن الأمور وخفاياها ، والبحث عنها للتوصّل إلى معرفتها ، فهو أخصّ من مطلق العلم . وكون الجنّ والإنس الصّائرين إلى جهنّم ، باختيارهم الحرّ لما يلذّ لهم ، مما يوصلهم إلى عذابها والخلود فيها ، لهم قلوب لا يفقهون بها ، فسببه أنّهم وجّهوا كلّ قواهم التفكّريّة والمعرفيّة والإدراكيّة ، لخدمة أهوائهم وشهواتهم ولذّاتهم من متاع الحياة الدّنيا الفانية ، فتوقّفوا عند حدود ظاهر من الحياة الدّنيا ، فنزل بهم داء الغفلة عمّا وراء هذه الحدود من حقائق تهدي إلى السعادة الأبديّة ، وهي تقع وراء ظواهر الحياة الدنيا ، فلم تتّجه قواهم الإدراكيّة والمعرفيّة للبحث عن البواطن من حقائق هذا الوجود ، وللبحث عن الغاية منه . ثمّ تراكمت عليهم آثار هذه الغفلات ، من ظلمات الأهواء ، ودخان الشهوات الملتهبات ، حتّى جلّلت قلوبهم الغشاوات ، وتوالى بعضها على بعض ، وتراكم بعضها فوق بعض ، إلى أن أمست قلوبهم لا تدرك ولا تعي إلّا ما يخدم دنياهم العاجلة الفانية . وأنّى لمثل هذه القلوب الّتي أصابها عمى نوعي ، هو العمى عن حقّ اللّه عليها ، وواجبها تجاهه ، والعمى عن ملاحظة يوم الدّين ، وما اعتد اللّه جلّ جلاله فيه للمجرمين الكافرين ، الذين لا يتّبعون ما أنزل إليهم