عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

48

معارج التفكر ودقائق التدبر

من ربّهم من آيات بيانيّة ، وهذا الذي أعتده ربّهم لهم ، هو عذاب أليم ، في جهنّم خالدين فيها . أنّى لمثل هذه القلوب أن توجّه أعين أجسادها لمشاهدة آيات اللّه المشهودة في الكون ، وأنّى لها أن تدرك دلالاتها الدّلّات بإتقانها وبصفاتها على صفات اللّه عزّ وجلّ ، وهي مشغولة مفتونة بزينات الحياة الدنيا المختلفات ، خدمة للأهواء والشهوات واللّذّات من متاع الحياة الدنيا العاجلة الفانية . أنّى لمثل هذه القلوب أن توجّه آذان أجسادها لاستماع آيات اللّه المنزّلات ، والإنصات لها ، وتدبّر معانيها ، وهي منصرفة عنها ، مشغولة مفتونة بكلّ قول أو حديث يخدم الأهواء والشّهوات واللّذات من متاع الحياة الدنيا العاجلة الفانية . إنّ قلوبهم تعمل وتفكّر ، ولكن في حدود ظاهر من الحياة الدنيا ، فهي لا تفقه بواطن الأمور ودقائقها النافعة لهم في الآجلة . ولا ما يكون سبب سعادة أصحابها في الآخرة ، لأنّها معرضة عنها ، غارقة في غفلاتها . وإنّ أعينهم تبصر ما في الحياة الدنيا من زينات وأنواع متاع عاجل ، لكنّها لا توصل إلى مراكز الإدراك البصريّ في الدّماغ ، ما في خلق اللّه من آيات كونيّة دالّات على عظيم صفات اللّه عزّ وجلّ ، ودالّات على أنّ اللّه جلّ جلاله قد خلق الناس في ظروف الحياة الدنيا ليبلوهم أيّهم أحسن عملا ، وأنّهم يعبرون فيها على جسر ، وهم فيه ممتحنون في كلّ ما يخضع لإراداتهم الحرّة ، ثمّ يبعثون يوم القيامة ، ليلاقوا في محكمة العدل والفضل الرّبّانيّة الحساب وفصل القضاء ، وبعد ذلك يوجّهون لينالوا جزاءهم بالثواب أو بالعقاب ، على ما قدّموا لأنفسهم في رحلة ابتلائهم في الحياة الدنيا . لقد ألقت الغشاوات على مراكز إدراكهم البصريّ حجبا كثيفة ، حجبت عنهم كلّ المشاهد الّتي تهديهم إلى سعادة أخراهم .