عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
42
معارج التفكر ودقائق التدبر
التدبّر التحليلي : قول اللّه تعالى : مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي . . . ( 178 ) : أي : من يحكم اللّه له بالهداية فهو المهتدي ، ومعلوم أنّ حكم اللّه عزّ وجلّ لأفراد عباده بالهداية ، أو حكمه عليهم بالضّلالة ، حكما مبرما ، إنّما يكون يوم القيامة في محكمة العدل الرّبانيّة ، بعد السؤال والحساب ووزن الأعمال ، أو دون سؤال ولا حساب ، إذ يدخل بعض عباده الصّالحين الجنّة بغير حساب . ومن يحكم اللّه له بالهداية فالجنّة مصيره حتما ، هذا وعد اللّه ، واللّه لا يخلف الميعاد . ومعلوم أنّ حكم اللّه لأفراد عباده بالهداية ، لا بدّ أن يكون مستندا إلى ما قدّموا في الحياة الدّنيا من إيمان صحيح صادق ، وعمل صالح ، يضاف إلى ذلك فضل اللّه العظيم عليهم بالعفو والغفران ، والتجاوز عن السّيّئات ، وتبديل السّيئات حسنات لبعض أهل المراتب الرفيعة من المؤمنين ، وهم الّذين تنطبق عليهم صفات عباد الرّحمن . وقد وجب حمل فعل « يهدي » في هذا النّصّ على معنى الحكم بالهداية ، أحد العلاقات الّتي بمقتضاها يسند الفعل إلى فاعله ، لأنّ العلاقات الأخرى لا تلائم مضمون هذا النّصّ . أمّا الهداية بمعنى جعل الإنسان مجبورا على الهداية بالخلق الرّبّاني المباشر ، دون أن تكون له إرادة حرّة مختارة ، فإنّها تلغي كون الإنسان ممتحنا مختارا في الحياة الدّنيا ، في رحلة الابتلاء من وجوده ، وتتنافى مع قول اللّه عزّ وجل : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها - لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها إذ التكليف ضمن حدود الوسع يتناقض مع الجبر ، ومن