عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
43
معارج التفكر ودقائق التدبر
المعلوم من الدّين بالضّرورة ، أنّ الإنسان البالغ العاقل عبد مكلّف مبتلى في ظروف الحياة الدنيا . وأمّا الهداية بمعنى الدّلالة والدّعوة إلى سبيل الهدى والخير ، فقد جعلها اللّه عزّ وجلّ عامّة شاملة ، لمن استجاب واهتدى ، ولمن أبى وضلّ ، فلا تناسب ما جاء في هذا النّصّ . وأمّا سائر العلاقات الّتي بمقتضى واحد منها يسند الفعل إلى الفاعل فلا يناسب شيء منها ما جاء في هذا النّصّ . فانحصر الملائم بالعلاقة الّتي تكشف أنّ اللّه عزّ وجلّ وجد عبده في الحياة الدنيا مهتديا ، بما قدّم لنفسه من إيمان وصالح عمل ، فهداه اللّه ، أي : فحكم له بالهداية . قول اللّه تعالى : وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 178 ) : أي : ومن يحكم اللّه عليهم بالضلالة ، لأنّهم كانوا في الحياة الدّنيا ضالّين باختيارهم الحرّ ، فأولئك البعداء الّذين حجبوا أنفسهم عن هطول رحمة اللّه الواسعة عليهم ، هم الخاسرون ، الّذين خسروا كلّ شيء حتّى أنفسهم ، إذ جعلوا أنفسهم محرومين من نعيم الجنّة ، ومعذّبين دواما في نار جهنّم ، لأنّهم رفضوا الإيمان والطّاعة ، ولم يتّبعوا آيات كتاب اللّه ، واتخذوا من دون اللّه أولياء . وكلمة « من » في : مَنْ يَهْدِ اللَّهُ وفي : وَمَنْ يُضْلِلْ اسم شرط جازم ، يجزم فعلين ، يسمّى أولهما فعل الشّرط ، ويسمّى الثاني جوابه وجزاءه ، وكلمة « من » هذه تطلق على الواحد فأكثر ، وقد يراعى لفظه المفرد فيعاد الضمير عليه بالإفراد ، كما في الجملة الأولى ، وقد يراعى معناه الدّالّ على الجمع فيعاد الضمير عليه بالجمع ، كما في الجملة الثانية ، والتنويع في