عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
33
معارج التفكر ودقائق التدبر
لأنّ ما وصل إليه ذلك المنسلخ من آياتنا ، يماثل ما ابتدأ به هؤلاء الّذين كذّبوا بآياتنا . . . . فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ( 176 ) : أي : فحدّث بأخبار الأوّلين ، راجيا ممّن تحدّثهم أن يؤثّر فيهم حديثك ، فيجعلهم يتفكّرون ، فيدركون من سنن اللّه في عباده ، وتدبيره لشؤون تربيتهم ، وتأديبهم ، وعقابهم ، ما يقنعهم ويعظهم ، ويكون دافعا لهم للاستقامة على صراط الحق ، صراط العزيز الحميد ، الّذي له ملك السماوات والأرض . يقال لغة : قصّ الشيء قصّا ، وقصصا ، أي تتّبع أثره ، بالفعل ، أو برواية الأخبار عنه . ويقال : قصّ عليه خبره ، إذا أورده على وجهه . والقصّة : الحديث ، والأمر ، والخبر ، وجمعها القصص . ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا . . . ( 177 ) أي : إنّ قصص الّذين كذّبوا بآياتنا تقدّم مثلا مخيفا سيّئا ، وخيم العاقبة ، يتّعظ به ، ويتأثر به المتفكّرون ، الّذين تلين قلوبهم للحقّ ، أو تخشى نفوسهم العواقب السيّئة ، الّتي تسببها معصية اللّه ، بعدم اتّباع آياته المنزّلات ، للإيمان بها واتّباعها . ساءَ : كلمة تقال في إنشاء الذّمّ ، مثل : « بئس » وعلى سبيل المبالغة . . . . وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ ( 177 ) : أي : وكانوا يظلمون بتكذيبهم بآيات اللّه ، ولكنّهم ما كانوا يظلمون إلّا أنفسهم ، لأنّ تكذيبهم لم يضرّ اللّه شيئا ، وإنّما عرّضهم لعقوبة اللّه في عذاب خالد يوم الدّين ، وربّما عرّضهم لإهلاك بعذاب في الحياة الدّنيا . واستفيد الحصر في الجملة من تقديم المعمول : [ أَنْفُسَهُمْ ] على عامله : [ يَظْلِمُونَ ] .