عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

34

معارج التفكر ودقائق التدبر

بيان عامّ حول هذا الدرس : إنّ أحقّ من يتلى عليهم نبأ الّذي آتاه اللّه آياته ، فانسلخ منها ، فأتبعه الشّيطان ، فكان من الغاوين ، هم الّذين آمنوا بالرّسول محمّد صلى اللّه عليه وسلم ، وبما أنزل اللّه عليه من آيات القرآن الكريم ، فكانت شاملة لهم من كلّ جوانبهم ، كجلودهم الشّاملة لكلّ أجسادهم . والغرض من هذه التّلاوة ، تحذيرهم من أن يتعرّضوا لمثل ما تعرض له المنسلخون من آيات اللّه من أهل الكتاب من قبلهم . لقد تلقّوا آيات القرآن الكريم بالقبول ، فأخذوها ، وغلّفوا بها عقولهم ، ونفوسهم ، وقلوبهم ، عند اندفاعة الإيمان الأولى ، المقترنة بحرارة الاستجابة ، والطّمع بالسّعادة العظيمة . ولكنّ المحذور منه أن تبرد حرارة هذه الشّرّة ، وتخفّ حدّة الاندفاع ، وتستولي عليهم الغفلات ، وتتوارد على نفوسهم مطالب الأهواء والشهوات واللّذّات ، من متاع الحياة الدّنيا ، فينسلخوا شيئا فشيئا من آيات اللّه ، كما فعل كثير من اليهود والنّصارى من قبلهم ، إذ لبسوا آيات اللّه أوّل الأمر كجلودهم ، فلم يلبثوا طويلا حتّى انسلخوا منها كما تنسلخ الحيّات من جلودها ، اتّباعا لأهوائهم ، وشهواتهم ، ولذّاتهم من متاع الحياة الدنيا . فأتبعهم الشيطان ، إذ وجدهم لا درع لهم من آيات اللّه ، ولا حاجب يحجبهم من وافدات الأوبئة المسقمة أو القاتلة ، فما زال بهم يوسوس لهم ، ويسوّل لهم ، ويزيّن لهم الباطل والفسق والفجور والعصيان ، وما زال يغريهم ، حتّى دفع بهم إلى الغواية ، فكانوا من الغاوين الضّالين الفاسدين الخائبين . وقد تحدّث النّصّ عن هذا الصنف من الناس بصيغة الحديث عن المفرد ، لأنّ كلّ واحد منهم يتحمّل مسؤوليّته عن انسلاخه من آيات اللّه