عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
30
معارج التفكر ودقائق التدبر
ولا يصحّ هذا لأنّه إنسان لم ترد له قصّة تتلى في القرآن . وهذا الدّرس من سورة ( الأعراف ) مكّيّ التنزيل ، وظهور هذا الرّجل قد كان بعد هجرة الرّسول صلى اللّه عليه وسلم إلى المدينة ، فكيف ينزل نصّ مكّيّ يحال فيه على حدث مضى ، مع أنّه لم يأت بعد في الواقع ، هذا من الأغاليط . وقيل : هو أميّة بن الصّلت ، ولكنّ هذا الرّجل لا ينطبق عليه الوصف الذي جاء في هذا الدرس . لكنّ النّصّ ينطبق على علماء أهل الكتاب ، اليهود والنصارى ، وأشباههم ، فهم الّذين تلقّوا آيات اللّه في التوراة والإنجيل ، فلبسوها ، وآمنوا بها ، وبعد ذلك انسلخوا منها ، فلم يعملوا بمقتضاها ، بل حرّفوا فيها ، وغيّروا وبدّلوا وكتموا . ولمّا جاء رسول اللّه محمّد صلى اللّه عليه وسلم لم يستجيبوا لما جاء في كتبهم من ميثاق الإيمان به واتّباعه . فكلّ واحد من هؤلاء الذين انسلخوا من آيات اللّه في التوراة والإنجيل ، ينطبق عليه قول اللّه تعالى : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ ( 175 ) . وبحمل هذا النّصّ على كلّ منسلخ من آيات اللّه من اليهود والنّصارى وأمثالهم ، تكون السّورة قد استعرضت أهمّ اللّقطات من تاريخ البشريّة ، تجاه آيات اللّه ، منذ عهد آدم عليه السّلام ، حتّى نزول القرآن المجيد على خاتم المرسلين محمّد صلى اللّه عليه وسلم وعلى سائر إخوانه النبيّين . وهؤلاء المنسلخون هم الّذين نجد في القرآن أنباء انسلاخهم من آيات اللّه المنزّلات . فَانْسَلَخَ مِنْها : أي : فأخرج نفسه من آيات اللّه المحيطة به ، إحاطة جلده بجسده .