عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
29
معارج التفكر ودقائق التدبر
وظاهر أنّ هذا الدّرس من دروس السورة متّصل اتّصالا جليّا بالخطّ الأعظم من خطوط السّورة الّتي تتفرّع من موضوعها ، وهو الخطّ الممتدّ من الآية ( 3 ) الواردة في صدر السّورة ، وهي قول اللّه عزّ وجل خطابا للناس جميعا : اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ ( 3 ) . وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها . . . ( 175 ) : النّبأ : الخبر البارز الظّاهر ذو الأهميّة الذي يلفت إليه أنظار أولي الألباب . ولكن من هذا الشخص أو الصنف من الناس الّذي آتاه اللّه آياته ، فلبسها كجلده ، ولم يطل به العهد حتّى انسلخ منها ، ونجد في القرآن الكريم قصصا تتحدّث عنه ، حتّى يتلوها المأمور بتلاوة نبئه . ذكر المفسّرون آراء لم يثبت شيء منها عن النبي صلى اللّه عليه وسلم . فقال بعضهم : هو رجل من الكنعانيّين ، كان في زمن موسى عليه السلام ، يقال له : بلعام بن باعوراء ، وفي قصّته تخليط مرفوض . وجاء في سفر العدد عند بني إسرائيل ، أنّ بلعام كان نبيّا في جيله ، فيما بين النّهرين ، وأنّ « بالاق » ملك « موآب » استدعاه ليلعن شعب إسرائيل ، فسأل ربّه ، فلم يأذن له ، فرفض طلب « بالاق » وذهب أخيرا وبارك بني إسرائيل ، ونسبوا إليه أنّه دبّر وسيلة للإيقاع بهم في شرك عبادة الأصنام ، وأخيرا قتل في حرب بين بني إسرائيل وأهل « مدين » . وقال بعض المفسّرين ، هو أبو عامر الراهب ، واسمه « النّعمان بن صيفيّ » كان نصرانيّا من الخزرج ، إحدى القبيلتين الكبريين في المدينة ، فلمّا هاجر الرّسول صلى اللّه عليه وسلم إلى المدينة ، ناصب الرّسول العداء الشديد .