عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

17

معارج التفكر ودقائق التدبر

إنّ العرض يستلزم عقلا إدراك المعروض عليه حقيقة معنى ما يعرض عليه ، أي : فهمه ، والعلم به ، إذا كان أمر العرض أمرا حقيقيّا ، لا مجازيّا . ومعلوم أنّ الفهم لشيء ما يستلزم وجود أداة الفهم ، أو جهاز الفهم لدى الفاهم ، والاستعداد لإدراك وسيلة التّفهيم . والإدراك قد يكون صفة للمخلوق دون أن تكون له صفات الشّهوة ، والإحساسات باللّذّة والألم ونحو ذلك ، ودون أن تكون له إرادة واختيار وقدرة على تنفيذ شيء ممّا يريد . وهل يشترط له نوع حياة أو لا ؟ . أقول : هذا أمر من أمور الغيب عنّا ، ومن الصّعب علينا البتّ به سلبا أو إيجابا . وقد أخبرنا اللّه عزّ وجلّ أنّ كلّ شيء يسبّح بحمده ، ولكن لا نفقه تسبيحهم ، فهل هذا التسبيح بدلالة الحال ، أم هو تسبيح معه نوع إدراك خلقه اللّه للأشياء ؟ احتمالان قائمان ، والثاني منهما غير مستحيل ، واللّه على كلّ شيء قدير . وقد كشفت العلوم الحديثة لنا من خصائص الخلايا ، وأعمالها ، ووظائفها ، وما تؤدّيه من أعمال متقنة في أجساد الأحياء ، ما يدهش العقول ، فكأنّ لها إدراكات ، وتحمل إنذارات ورسائل ، وترجع بالمطلوب على أحسن وجه ، فسبحان الخالق العليم الحكيم ، الذي هو على كلّ شيء قدير . وبناء على هذا نقول : حين عرض الأمانة على السّماوات والأرض والجبال ، وعلى الإنسان الأوّل وفيه ذرّيّته ، أو على الإنسان الشامل لكلّ