عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

16

معارج التفكر ودقائق التدبر

وَأَشْفَقْنَ مِنْها : أي : وخفن وحذرن من تحمّل الأمانة ، وممّا يترتّب على حملها من مسؤولية ومحاسبة وجزاء ، لأنّ حملها مع ما فيه من تكريم وتشريف ، يستلزم منح شروط الامتحان والمسؤولية والتكليف ، ويستتبع المحاسبة ، وفصل القضاء ، والجزاء ، بالنعيم أو بالعذاب . فالإشفاق والخوف من هذا . أمّا الإنسان فقد اختار حمل الأمانة ، وأحبّ المغامرة والمخاطرة ، لكنّه بعد حمل الأمانة ، ودخوله مرحلة الامتحان ، كان في واقع رحلته ، الّتي وضع فيها موضع الامتحان ، ظلوما وكان جهولا ، في النّسبة العظمى من أفراده ، فالحكم على الإنسان بالظلم والجهل حكم لوحظ فيه أكثر الأفراد . ظلوما : أي : كثير الظّلم لنفسه ، بارتكابه ما يسوقه إلى عذاب اللّه . جهولا : أي : كثير اختيار سبل الجهل المعرفي ، وسبل الجهل السّلوكي ، الّتي تدفع إلى سلوكها الحماقة ، والأهواء الرّعناء ، والشهوات الطائشات . ما هي الأمانة التي عرضها الرّبّ جلّ جلاله ؟ : ونتساءل عن الأمانة الّتي عرضها اللّه عزّ وجلّ على السّماوات والأرض والجبال والإنسان ، فأبت السّماوات والأرض والجبال أن تحملها ، وأشفقت من حملها ، وحملها الإنسان ؟ ! لا بدّ للإجابة على هذا السؤال من تحليل للصّفات الّتي تتّصف بها هذه الكائنات ، ولعناصر الأمانة ، لإدراك الأمور الّتي جعلت الأرض والجبال والسّماوات تأبى حملها ، والّتي جعلت الإنسان يقبل حملها ، ويستعدّ لتحمّل التكليف المرافق لحملها ، وتبعة الحساب ، وفصل القضاء ، وتنفيذ الجزاء بعد ذلك .