عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
14
معارج التفكر ودقائق التدبر
وهذا من إبداعات الإيجاز القرآني ، إذ يوجد في المذكور ما يدلّ على المحذوف ، مع نظرات التلاؤم واللوازم الفكرية ، فذكر الغفلة يلائم آثار الإشهاد في العقول والنفوس وعمق القلوب ، والإنباء بأصل الحدث يستدعي عن طريق اللوازم الفكريّة أن يعتذروا بالنّسيان لو لم ينزل به هذا البيان القرآنيّ . قول اللّه تعالى : أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ( 173 ) المبطلون : هم الّذين يفترون الباطل - أو يستمسكون به ، أو يعملون بمقتضاه ، والباطل المراد هنا هو الشّرك باللّه ولوازمه . والمعنى : ونخبركم بهذا الحدث الذي جرى لكم وأنتم في مرحلة الذّرّ من أطوار وجودكم ، وأبقينا آثاره في فطر عقولكم ونفوسكم وقلوبكم ، دفع أو منع أن تقولوا إن أتتكم بوادر الإهلاك في الدّنيا : إنّما أشرك آباؤنا من قبل ، أي : لم نكن نحن مخترعي الإشراك ، ولا البادئين به ، إنّما أشرك آباؤنا من قبلنا ، وقد ورثنا عنهم عقائدهم بتأثير البيئة ، وسلطان مواريثها الضّاغطة ، فقد كنّا ذرّيّة من بعدهم مقلّدين لهم ، والناشئ في بيئة لا بدّ أن يتأثّر بالمواريث الفكريّة والاعتقاديّة الّتي يجدها في بيئة آبائه وأجداده . لكنّ اعتذارهم هذا يدفعه ويسقطه ، أن يقال لهم : إنّ الرّبّ الخالق لكم ولآبائكم ، قد أبان لكم في كتابه الّذي أنزله على رسوله ، أنّه أشهدكم وأشهد آباءكم وكلّ ذرّيّة آدم وأنتم في مرحلة الذّرّ من وجودكم ، على أنفسكم بأنّه هو وحده ربّكم الّذي لا ربّ لكم غيره ، فلا إله لكم غيره ، وبعد هذا البيان الذي نقصّ عليكم فيه قصّة إشهادكم على أنفسكم يسقط اعتذاركم بمؤثرات البيئة ، ومواريث آبائكم الشركيّة ، ولا سيما ما في فطركم