عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

13

معارج التفكر ودقائق التدبر

. . . أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ ( 172 ) أي : نخبركم بهذا الحدث الّذي جرى لكم ، وأنتم في طور الوجود الذّرّيّ في ظهور آبائكم ، دفع أو منع أن تقولوا يوم القيامة ، لم يكن هذا الحدث حاضرا في ذاكراتنا ، فقد نسيناه . ودفع أو منع أن تقولوا يوم القيامة إنّا كنّا عن هذا غافلين ، منصرفي الأذهان ، إذا قلنا لكم لقد أبقينا آثاره في عقولكم أدلّة تدلّكم على أنّ ربّكم هو اللّه الّذي لا شريك له ، وأبقينا في نفوسكم وقلوبكم فطرة تنزع بكم إلى هذه الحقيقة . فبهذا الإخبار ندفع ونمنع اعتذاركم بالنّسيان ، وندفع ونمنع اعتذاركم بالغفلة يوم الدين . الغفلة : عن الشيء ، هي انصراف الذّهن عن ملاحظته ، ومراقبته ، مع وجوده في مجال الإدراك ، أو وجود أدلّته ، وإمكان إدراكه بها ، لولا وجود الصّارف ، أو السّهو الّذي هو بمثابة إطباق الجفنين على العينين مع إمكان الرؤية . إذن : فلدفع الاعتذار يوم الدّين ، بنسيان حدث إشهادكم السابق على أنفسكم بأنّني أنا ربّكم ، ولدفع الاعتذار بالغفلة عن آثار هذا الحدث الباقية في فطر عقولكم ونفوسكم وعمق قلوبكم ، أخبركم بهذا الحدث ، لأوجّه أنظاركم إلى آثاره فيكم ، ولأقيم الحجّة عليكم بأنّني أخبرتكم بما شهدتم به على أنفسكم ، إذ كنتم في مرحلة الذّرّ من أطوار وجودكم ، فكذّبتم خبري ، ولم تعبؤوا بما أبقيت في فطركم ممّا شهدتم به على أنفسكم من آثار . فدلّ ذكر الغفلة عن الآثار الموجودة في فطر العقول والنفوس والقلوب ، على أنّهم يعتذرون قبلها بالنّسيان ، لكنّ إنزال هذا البيان في القرآن يدفع الاعتذار بالنّسيان ، ويدفع الاعتذار بالغفلة معا .