عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

11

معارج التفكر ودقائق التدبر

قالُوا بَلى شَهِدْنا : أي : أجابوا بإبطال نفي ربّيته لهم ، وإثبات نقيضه ، وهو ربوبيّته لهم ، وأعلنوا أنّهم قد شهدوا على أنفسهم معتّرفين بأنّه جلّ جلاله هو ربّهم ، أي : بلى ، أنت ربّنا ، ونشهد بهذا على أنفسنا . أمّا تفصيل كيف أشهدنا على أنفسنا ، فقصّة من الغيب عنّا ، بعد أن نسيناها ، فهي مطويّة في أعماق ذاكراتنا ، الّتي لا تدرك رؤيتنا الحاضرة منها إلّا القليل منها . لكنّ خبر اللّه عزّ وجلّ عن حدوث هذا الأمر ، ونحن في مرحلة من مراحل أطوار وجودنا خبر حقّ لا ريب فيه ، وقد بقيت لدينا آثار هذا الإشهاد ، وهي الفطرة الّتي بها ندرك الخالق الرّبّ جلّ جلاله ، وتشدّنا إليه عند الضّرورة ، فندعوه ، ونلجأ إليه ، وتشدّنا إليه المشاعر الدّاخليّة النفسيّة والقلبيّة ، لنمجّده ، ونحمده ، ونعظّمه ، ونعبده . فدليل العقل ، ودليل الفطرة النفسيّة والقلبيّة ، ودليل الخبر عن اللّه الّذي ذكر اللّه عزّ وجلّ لنا فيه أنّه أشهدنا على أنفسنا ، إذ قال لنا في مرحلة الذّرّ ، ألست بربّكم ؟ فقلنا : بلى ، شهدنا . كلّ هذه الأدلّة تؤكّد أنّ الإيمان باللّه الخالق الرّبّ ، فطر اللّه النّاس عليها ، وسوف يدعوهم اللّه يوم الدّين إلى الشّهادة على أنفسهم ، فإذا جحدوا أقام عليهم الحجّة الدّامغة ، وللّه الحجّة البالغة . الزمن الملائم لهذا الحدث من تاريخ أطوار وجود بني آدم : دلّت كلمة [ إذ ] الظرفيّة ، على أنّ حدث إخراج الذّرّيّة الإنسانيّة وإشّهادها على أنفسها بربوبيّة اللّه لها ، قد تمّ فيما مضى لكلّ الذّرّيّة من بني آدم ، حتّى آخر نسمة تولد قبل قيام السّاعة . وبالتفكّر ندرك أنّ الزّمن الأفضل لهذا الإخراج ، هو الزّمن الّذي كان فيه آدم عليه السّلام حيّا ، قبل أن يولد له ولد ما ، لأنّ أولاد آدم المباشرين