عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
49
معارج التفكر ودقائق التدبر
* وبعد هذا نجد في هذا الدّرس خطابا موجّها من اللّه عزّ وجلّ لكلّ النّاس الصالحين للخطاب ، والموضوعين في الحياة الدّنيا موضع الابتلاء ، فيأمرهم فيه أمر إلزام وإيجاب باتّباع ما أنزل إليهم من ربّهم أو سينزل على وفق ما تمّ به قضاؤه ، في هذا الكتاب الّذي يبلّغهم إيّاه الرسول محمّد صلى اللّه عليه وسلم ، أو المبلّغون عنه من أمّته الّذين آمنوا به وحملوا واجب تبليغ رسالته الّتي تبلّغوها منه ، وينهاهم نهي إلزام وتحريم ، عن أن يتّبعوا من دون ربّهم أولياء ، يشرعون لهم ويحلّلون لهم ويحرّمون عليهم ما لم ينزّل اللّه به سلطانا . * وبعد ذلك نجد في هذا الدرس إعلاما من اللّه عزّ وجلّ ، بأنّ واقع حال النّاس الّذي سيكونون عليه باختيارهم الحرّ ، والذي سبق به علمه كشفا لا جبرا ، أنّهم قليلا ما يتذكّرون ، بسبب أنّهم سيتّبعون أولياء من دون ربّهم ، الّذين يزيّنون لهم معصية اللّه ، ويحبّبون إليهم عدم اتّباع ما أنزل ربّهم إليهم ، ويضعون لهم أحكاما وشرائع وسبلا طاغوتيّة ، مقرونة بزخرف من القول ، ليتّبعوها ، ويستثيرون فيهم أهواءهم وشهواتهم ويعلّقونها بما حرّم عليهم ربّهم من زينات الحياة الدنيا ، غير مكتفين بالكثير الذي أحلّه لهم ربّهم منها . * واستدعى بيان هذا الواقع الذي سيكون عليه الناس ، أن يحذّرهم ربّهم من المصير العقابي في الحياة الدنيا ، نظير الّذي أنزله بالظالمين الأوّلين الذين أهلكهم من كفّار القرون الأولى ، الذين كذّبوا رسل ربّهم ، ولم يتّبعوا ما أنزل إليهم منه ، فجاء في هذا الدرس ما يكشف هذه السّنّة من سنن اللّه في عباده الظالمين . * لكنّ المصير العقابيّ المعجّل في الحياة الدنيا ، بالإهلاك الجماعيّ العام للأقوام الظالمة ، مع إنزال بعض العذاب عليهم قبل إماتتهم ، لا يسدّد ما يستحقّون من جزاء ، إذ الجزاء الأوفى مؤجّل إلى يوم الدّين ، يوم يبعثون