عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
69
معارج التفكر ودقائق التدبر
فإذا كان المتشكّكون حريصين على مشاهدة مثال للحياة بعد الموت ، فإحياء نباتات الأرض بعد موتها مثال متكرّر الحدوث في الحياة الدنيا . وأكّد اللّه عزّ وجلّ بيان هذا في قوله تعالى في سورة ( فاطر / 35 مصحف / 43 نزول ) : وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ ( 9 ) . النُّشُورُ : هو الإحياء بعد الموت . وكذلك الإنشار . ثمّ أنزل قوله عزّ وجلّ في سورة ( الزّخرف / 43 مصحف / 63 نزول ) : وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُونَ ( 11 ) . ثمّ أنزل اللّه عزّ وجلّ قوله في سورة ( الروم / 30 مصحف / 84 نزول ) : يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ ( 19 ) . وظاهر تشبيه إحياء الموتى يوم القيامة بإحياء النّباتات من نويات بزورها ، يدلّ على أنّ إحياء الموتى يكون كذلك من نويات تبقى فيها صلاحيّة النشأة الأخرى ، وحين يأتي يوم البعث يهيّئ اللّه عزّ وجلّ الظروف الصالحة لهذه النشأة ، والأسباب الّتي بها تكون ، فتنمو هذه النّويات حتّى تكون أجسادا مستعدّة لنفخ الرّوح فيها ، فيأمر اللّه - جلّ جلاله وعظم سلطانه - الملك المكلّف بنفخ الصّور الّذي اجتمعت فيه الأرواح ، فينفخ فيه ، فتنطلق كلّ روح وتحلّ في جسدها الّذي صار جاهزا بالنشأة الأخرى للحياة والبعث ، على وفق ما كان عليه في الحياة الدنيا ، لأنّ خريطة صفاته كلّها موجودة في نواته الّتي احتفظت الأرض بها ، من جسده في الحياة الأولى .