عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
68
معارج التفكر ودقائق التدبر
* إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً . ( 41 ) . أي : إنّه جلّ جلاله يمسكها في الوجود بما يمدّها به من خلق متجدّد ، وحين يوقف تجديد الخلق تعود عدما إلى أصلها ، وعندئذ لا أحد يستطيع أن يمسكها لتبقى موجودة . فما العجب من إعادة أيّ مخلوق بخلق متجدّد ما دام علم اللّه به وبصفاته كلّها شاملا عامّا ، وما دامت قدرة اللّه لم يحدث لها تغيير ، ومن صفاته جلّ جلاله أنّه إذا أراد شيئا فإنّما يقول له : كن فيكون . لكنّ اللّه عزّ وجلّ قد جعل لعمليات خلقه أسبابا فهو يخلق من قنواتها ، التزاما بما اختار هو سبحانه من نظام . وكلّ كلام في الأسباب لا يخرج عن محاولة كشف النظام السّببيّ الّذي نظّم به اللّه عزّ وجلّ عمليّات خلقه بدءا وإعادة ، أمّا الأسباب بذاتها فلا تفعل شيئا ، ولا تخلق شيئا . ونلاحظ في عبارة : . . كَذلِكَ الْخُرُوجُ عقب بيان أسباب إنبات النباتات في الأرض ، أنّ اللّه عزّ وجلّ بعد أن وجّه الأنظار للتفكّر في دلائل بعض آياته في كونه ، نبّه على ظاهرة إحياء الأرض بعد موتها الّذي يتمّ بعد تنزيل الماء المبارك من السّماء واختلاطه بتراب الأرض الّتي فيها بزور النباتات ، فتنبت بخلق اللّه وقضائه وقدره فتعود حيّة بعد أن ماتت فيها الحياة السابقة . وبعد التّوجيه إلى هذه الظاهرة المتكرّرة في الحياة الدنيا ، أرشد اللّه جلّ جلاله إلى أنّ حياة الناس بعد الموت مثلها ، فلا فرق بين حياة شجرة عظيمة من نواة لا تدرك بالطّرف في بزرتها ، وبين حياة إنسان بعد موته من نواة لا تدرك بالطرف ، في عظمة من عظام جسده الّذي بلي وتفتّت ، وتفرّقت ذرّاته في تراب الأرض ، وهي في عجب الذّنب .