عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

67

معارج التفكر ودقائق التدبر

والنفسية ، مستودعة في باطن عجب الذّنب « 1 » الّذي لا يتعرّض للفناء ، وإن تعرض جرم العجب إلى تغييرات ، فهي تغييرات سطحيّة لا تصل إلى عمق العجب الحاوي لخريطة حياته وصفاته ، وبرنامج نمائه ، فهي نواة صغيرة جدّا لا تدركها الأبصار . على أنّ اللّه عزّ وجلّ لا يحتاج في خلقه الأوّل وإعادة خلقه إلى كلّ هذه الأسباب ، فخريطة كلّ كائن معلومة لديه ، وصفات جسده ونفسه معلومة لديه ، ولا تحتاج إعادة خلقه أكثر من كلمة : « كن » فهو يكون ، على مراد اللّه ، وفي الإعادة يكون كما كان في الخلق الأوّل . وإذا لاحظنا أنّ عمليّات خلق اللّه للأشياء آنا فآنا في كلّ أصغر وحدة زمنيّة هي خلق متجدّد ، دون أن يؤثّر هذا على أصل كيان المخلوق ، في وحدة ذاته وصفاته ، فإنّه يهون علينا جدّا أن نتجاوز كلّ احتمالات انعدام كلّ ذرّات الذّات الأولى ، لو كان الواقع كذلك . فإننا نشاهد أنّ بقاء النّور في المصابيح الكهربائيّة قائم على التجدّد المستمرّ ، بالإمداد المتجدّد بالطّاقة الكهربائية ، فكلّ لحظة من لحظات النور ، يوجد فيها نور جديد غير النور السّابق ، دون أن يؤثّر ذلك على وحدة الأصل . وهكذا كلّ ما في الوجود من كائنات في السّمات والأرض ، يمسكها اللّه عزّ وجلّ في الوجود باقية بإيجاد متجدّد في توالي أقصر الّلحظات ، وقد دلّ على هذا قول اللّه عزّ وجلّ في سورة ( فاطر / 35 مصحف / 43 نزول ) :

--> ( 1 ) عجب الذّنب : هو جزيء في أصل الذّنب عند رأس العصعص ، ويجمع على « عجوب » و « أعجاب » .