عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

33

معارج التفكر ودقائق التدبر

وجاء تأكيد هذا الخبر عن شمول علم اللّه عزّ وجلّ بالمؤكّدات التاليات : « إنّ » و « الجملة الاسميّة » و « اللّام المزحلقة للخبر » كما يقول البلاغيّون . وأبان هذا النّصّ أنّه ما من غائبة على أحد من خلق اللّه له إدراك علميّ ما ، إلّا هي مسجّلة مدوّنة في كتاب واضح الدّلالة مبين ، ولهذا البيان لازمان عقليّان . الأول : أنّ كلّ ما هو قابل لأن يعلم مدوّن في كتاب مبين ، إذ ما من صغيرة ولا كبيرة إلّا هي غائبة عن بعض خلق اللّه ، ولو كانت معلومة لآخرين ، فشملت كلمة غائِبَةٍ كلّ ما هو قابل لأن يعلم . الثاني : أنّ كلّ ما هو مسجّل مدوّن في كتاب مبين ، لا بدّ أن يكون معلوما للّه عزّ وجلّ . النص الثالث : قول اللّه عزّ وجلّ في سورة ( يونس / 10 مصحف / 51 نزول ) : وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ ( 61 ) . وَما يَعْزُبُ ، أي : وما يبعد وما يخفى . يقال لغة : عزب الشّيء يعزب ويعزب عزوبا ، أي : بعد وخفي ، وفي يعزب قراءتان بضم الزاي وكسرها . مِنْ مِثْقالِ : « من » حرف جر جيء به لتأكيد عموم النفي في : وَما يَعْزُبُ ويسمى حرف جرّ زائد وهو داخل هنا على الفاعل . مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ ، أي : من مقدار ذرّة . وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ ، أي : ولا أصغر من ذرّة ولا أكبر . وفي « راء » أصغر وأكبر قراءتان ، قراءة بالفتح ، وقراءة بالضمّ .