عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
34
معارج التفكر ودقائق التدبر
إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ ، أي : وما شيء من ذلك المشمول بعلم اللّه إلّا مدوّن مسجّل في كتاب مبين ذي دلالة واضحة كدلالة أشرطة تسجيل الصّورة والصّوت ، مع الخواطر والنيّات والأشياء والأعمال الظاهرة والباطنة ، حتى أعمال القلوب والنفوس والأفكار وحركاتها . حذف المستثنى منه لدلالة الجملة السابقة عليه . النصّ الرابع : قول اللّه عزّ وجلّ في سورة ( هود / 11 مصحف / 52 نزول ) في معرض الحديث عن اللّه عزّ وجلّ : يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ . ( 6 ) . فأبان هذا النّصّ : أنّ اللّه عزّ وجلّ يعلم ما يسرّ النّاس ويعلنون ، وأنّه عليم بالغ غاية العلم بذات الصّدور . ذات الصدور : ، أي : صاحبة الصّدور ، وهي الخواطر والنّيّات وأعمال القلوب كالحقد والحسد ، وابتغاء الخير أو الشرّ ، وكالحبّ في اللّه والكره في اللّه ، والأهواء والشهوات ونحو ذلك . وأبان أنّه يعلم مستقرّ كلّ دابّة في ظهور الذكور ، ومستودع كلّ دابّة في أرحام الإناث ، وأنّ عليه رزق كلّ دابّة . وأبان أنّ كلّ هذه المعلومات مدوّنة مسجّلة في كتاب مبين ، كاشف لكلّ صغيرة وكبيرة حتّى خفايا الصّدور . أفبعد هذا العلم المحيط الشّامل المسجّل المدوّن في كتاب حفيظ مبين ، مجال لتوهّمات وشبهات وشكوك حول قضية صغرى ، هي جزئيّة من جزئيّات هذه الحقيقة الكبرى الشاملة ، المتّصلة بصفة علم اللّه المحيط بكلّ شيء ؟ !