عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
32
معارج التفكر ودقائق التدبر
* وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ ( 59 ) . وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ أي : انفرد اللّه عزّ وجلّ بأنّه مالك مفاتيح الغيب الأعظم ، وهذه المفاتيح لا يعلمها إلّا هو ، فلا يعلمها نبيّ مرسل ، ولا ملك مقرّب . أمّا المغيّبات النسبيّة فلمعرفتها مفاتيح مكّن اللّه من استخدامها بعض عباده دون بعض ، فعند الملائكة مفاتيح قد يستخدمونها لمعرفة بعض المغيبات عن الناس ، وعند الجنّ مفاتيح ، وعند الإنس مفاتيح يعلمون بها من حقائق الكائنات غائبات عن الحواسّ ، بما سخّر اللّه لهم من وسائل ، وهذا المفاتيح لا يملك نظيرها غيرهم ، وهي مفاتيح الاستنباط والاستدلال من الصفات الظاهرات على وجود الأشياء الباطنة ، وصفاتها وخصائصها . وهذه المفاتيح قد أوصلت الباحثين من عباقرة البشر ، إلى العلوم الذّريّة وعلوم الخلايا الحيّة ووظائفها ، ودلّت هذه العلوم على أنّ كلّ حركة من حركات دقائق أجزاء الذّرّات في كلّ شيء ، محكومة بخطّة ربّانيّة مدهشة في الإحكام والإتقان والتوجيه ، ومشمولة بعلم محيط لا يندّ عنه شيء مهما كان دقيقا صغيرا . فتبارك اللّه الّذي أحاط بكلّ شيء علما . النصّ الثاني : قول اللّه عزّ وجلّ في سورة ( النمل / 27 مصحف / 48 نزول ) : وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ ( 74 ) وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ ( 75 ) . فأبان هذا النّصّ أنّ اللّه عزّ وجلّ الذي هو ربّ كلّ شيء ، يعلم ما تكنّه صدور النّاس ، فتخفيه فيها ، ويعلم ما يعلنونه .