سليمان بن موسى الكلاعي

432

الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا

وحاصر رسول الله صلى اللّه عليه وسلم بني قريظة خمسا وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار ، وقذف الله في قلوبهم الرعب . وكان حيى بن أخطب دخل مع بني قريظة في حصنهم حين رجعت عنهم قريش وغطفان وفاء لكعب بن أسد بما كان عاهده عليه ، فلما أيقنوا أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم غير منصرف عنهم حتى يناجزهم قال لهم كعب بن أسد : يا معشر يهود ، قد نزل بكم من الأمر ما ترون ، وإني عارض عليكم خلالا ثلاثا فخذوا أيها شئتم . فقالوا : وما هي ؟ قال : نتابع هذا الرجل ونصدقه فوالله لقد تبين لكم أنه نبي مرسل وأنه للذي تجدونه في كتابكم ، فتأمنون على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم . وقالوا : لا نفارق حكم التوراة أبدا ولا نستبدل به غيره . قال : فإذا أبيتم على هذه فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا ثم نخرج إلى محمد وأصحابه رجالا مصلتين السيوف لم نترك وراءنا ثقلا حتى يحكم الله بيننا وبين محمد ، فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا نسلا نخشى عليه وإن نظهر فلعمري لنجدن النساء والأبناء . قالوا : أنقتل هؤلاء المساكين ؟ فما خير العيش بعدهم ! قال : فإذا أبيتم على هذه فإن الليلة ليلة السبت وإنه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنوا فيها فانزلوا لعلنا نصيب من محمد وأصحابه غرة . قالوا : أنفسد سبتنا ونحدث فيه ما لم يحدث من كان قبلنا إلا من قد علمت فأصابه ما لم يخف عليك من المسخ ! قال : ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه حازما ليلة واحدة من الدهر ! ثم إنهم بعثوا إلى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : أن ابعث إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر ، أخا بنى عمرو ابن عوف ، وكانوا حلفاء الأوس ، نستشيره في أمرنا ، فأرسله رسول الله صلى اللّه عليه وسلم إليهم ، فلما رأوه قام إليه الرجال وجهش إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه ، فرق لهم وقالوا له : يا أبا لبابة ، أترى أن ننزل على حكم محمد ؟ قال : نعم . وأشار بيده إلى حلقة : إنه الذبح . قال أبو لبابة : فوالله ما زالت قدماي من مكانهما حتى عرفت أنى قد خنت الله ورسوله . ثم أنطلق أبو لبابة على وجهه ولم يأت رسول الله صلى اللّه عليه وسلم حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده . وقال : لا أبرح مكاني هذا حتى يتوب الله على مما صنعت ، وعاهد الله : أن لا أطأ بني قريظة أبدا ولا أرى في بلد خنت الله ورسوله فيه أبدا . فلما بلغ رسول الله صلى اللّه عليه وسلم خبره وكان قد استبطأه قال : « أما إنه لو كان جاءني لا ستغفرت له ، فأما إذ فعل ما فعل فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله