سليمان بن موسى الكلاعي

151

الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا

فلما سمعتها أخذتني العرواء حتى ظننت أنى سأسقط على سيدي ، فنزلت عن النخلة فجعلت أقول لابن عمه ذلك : ماذا تقول ؟ فغضب سيدي فلكمنى لكمة شديدة ، ثم قال : ما لك ولهذا ، أقبل على عملك . فقلت : لا شئ إنما أردت أن أستثبته عما قال . وقد كان عندي شئ جمعته ، فلما أمسيت أخذته ثم ذهبت به إلى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وهو بقباء ، فدخلت عليه فقلت له : إنه قد بلغني أنك رجل صالح ، ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة ، وهذا شئ كان عندي للصدقة ، فرأيتكم أحق به من غيركم ، فقربته إليه . فقال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم لأصحابه : « كلوا » . وأمسك يده فلم يأكل . فقلت في نفسي : هذه واحدة ، ثم انصرفت عنه ، فجمعت شيئا ، وتحول رسول الله صلى اللّه عليه وسلم إلى المدينة ، ثم جئته به ، فقلت : إني قد رأيتك لا تأكل الصدقة وهذه هدية أكرمتك بها . فأكل رسول الله صلى اللّه عليه وسلم منها وأمر أصحابه فأكلوا معه . فقلت في نفسي هاتان ثنتان . ثم جئت رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وهو ببقيع « 1 » الغرقد قد تبع جنازة من أصحابه ، على شملتان لي وهو جالس في أصحابه ، فسلمت عليه ثم استدرت أنظر إلى ظهره ، هل أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي ؟ فلما رآني رسول الله صلى اللّه عليه وسلم أستدير به ، عرف أنى أستثبت في شئ وصف لي ، فألقى الرداء عن ظهره ، فنظرت إلى الخاتم فعرفته ، فأكببت عليه أقبله وأبكى . فقال لي رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « تحول » . فتحولت فجلست بين يديه ، فقصصت عليه حديثي كما حدثتك يا ابن عباس . فأعجب رسول الله صلى اللّه عليه وسلم أن يسمع ذلك أصحابه . ثم شغل سلمان الرق ، حتى فاته مع رسول الله صلى اللّه عليه وسلم بدر وأحد . قال سلمان : ثم قال لي رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « كاتب يا سلمان » . فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلة أحييها له بالفقير « 2 » وأربعين أوقية . فقال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « أعينوا أخاكم » فأعانونى بالنخل ، الرجل بثلاثين ودية ، والرجل بعشرين ودية ، والرجل بخمس عشرة والرجل بعشر ، يعين الرجل بقدر ما عنده ، حتى اجتمعت إلى ثلاثمائة ودية ، فقال لي رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « اذهب يا سلمان ففقر لها فإذا فرغت فائتني ، أكن أنا أضعها بيدي » .

--> ( 1 ) بقيع : أصل البقيع في اللغة الموضع الذي فيه أروم الشجر من ضروب شتى وبه سمى بقيع الغرقد ، والغرقد كبار العوسج وهو مقبرة أهل المدينة ، وهى داخل المدينة . انظر : معجم البلدان ( 1 / 473 ) . ( 2 ) أحييها له بالفقير : أي بالحفر والغرس ، بفقرات الأرض إذا حفرتها ، ومنها سميت البئر فقرا .