سليمان بن موسى الكلاعي

148

الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا

أهل قرية يقال لها : جى ، وكان أبى دهقان قريته ، وكنت أحب خلق الله إليه ، لم يزل به حبه إياي حتى حبسني في بيته كما تحبس الجارية ، واجتهدت في المجوسية حتى كنت قطن النار الذي يوقدها ، ولا يتركها تخبو ساعة ، وكانت لأبى ضيعة عظيمة ، فشغل في بنيان له يوما ، فقال لي : يا بنى ، إني قد شغلت في بنيانى هذا اليوم عن ضيعتي ، فاذهب إليها فاطلعها . وأمرني فيها ببعض ما يريد ، ثم قال لي : ولا تحتبس عنى ، فإنك إن احتبست عنى كنت أهم إلى من ضيعتي وشغلتنى عن كل شئ من أمرى ، فخرجت أريد ضيعته التي بعثني إليها فمررت بكنيسة من كنائس النصارى ، فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون ، وكنت لا أدرى ما أمر الناس ، لحبس أبى إياي في بيته . فلما سمعت أصواتهم ، دخلت عليهم أنظر ما يصنعون ، فلما رأيتهم أعجبتنى صلاتهم ، ورغبت في أمرهم وقلت : هذا والله خير من الدين الذي نحن عليه . فوالله ما برحتهم حتى غربت الشمس ، وتركت ضيعة أبى فلم آتها ، ثم قلت لهم : أين أصل هذا الدين ؟ قالوا : بالشام ، فرجعت إلى أبى وقد بعث في طلبي ، وشغلته عن عمله كله ، فلما جئته قال : أي بنى أين كنت ؟ ألم أكن عهدت إليك ما عهدت ؟ ! قلت : يا أبت مررت بأناس يصلون في كنيسة لهم فأعجبني ما رأيت في دينهم ، فوالله ما زلت عندهم حتى غربت الشمس . قال : أي بنى ليس في ذلك الدين خير ، دينك ودين آبائك خير منه ، فقلت له : كلا والله ، إنه لخير من ديننا ، قال : فخافنى ، فجعل في رجلي قيدا ثم حبسني في بيته ، وبعثت إلى النصارى ، فقلت لهم : إذا قدم عليكم ركب من الشام فأخبروني بهم ، فقدم عليهم تجار من النصارى ، فأخبروني . فقلت لهم : إذا قضوا حوائجهم وأرادوا الرجعة إلى بلادهم ، فآذنوني بهم . قال : فلما أرادوا الرجعة أخبروني بهم ، فألقيت الحديد من رجلي ، ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام . فلما قدمتها قلت : من أفضل أهل هذا الدين علما ؟ قالوا : الأسقف في الكنيسة . فجئته فقلت له : إني قد رغبت في هذا الدين ، وأحببت أن أكون معك وأخدمك في كنيستك ، وأتعلم منك ، وأصلي معك . قال : ادخل ، فدخلت معه ، فكان رجل سوء يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها ، فإذا جمعوا إليه شيئا منها اكتنزه لنفسه ولم يعطه المساكين ، حتى جمع سبع قلال من ذهب وورق . فأبغضته بغضا شديدا لما رأيته يصنع ، ثم مات . واجتمعت النصارى ليدفنوه ، فقلت لهم : إن هذا كان رجل سوء ،