عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

8

معارج التفكر ودقائق التدبر

من سجيل : أي : من طين متحجّر متصلّب ، وربّما كان للنار أثر في جعله متحجّرا . كعصف مأكول : العصف في اللّغة ، هو ما تأكله الدّوابّ من نباتات الأرض ، كالزّرع الذي يؤخذ حبّه ، ويترك سائره طعاما للدّواب ، وكالفصفصة والبرسيم ، والتّبن ، ونحوها . ( 3 ) موضوع سورة الفيل يظهر لكلّ متدبّر أنّ موضوع سورة ( الفيل ) يدور حول تذكير مشركي أهل مكّة وما حولها إبّان التنزيل ، بما أنزل اللّه عزّ وجلّ من عذاب وإهلاك بأصحاب الفيل ، الجيش الّذي قدم من اليمن بقيادة أبرهة الحبشيّ والذي جاء قاصدا تدمير الكعبة بيت اللّه الحرام . وفي هذا التذكير تهديد ضمنيّ لهم بأنّهم إذا أرادوا رسوله محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم بسوء أو بشر كانوا عرضة لعذاب من اللّه وإهلاك ، كالذي تعرّض له جيش أبرهة لمّا قصد هدم بيته أوّل بيت وضع للناس ، وهو بناء من أحجار أرض مكة ، وضع لعبادة اللّه وحده ، أمّا رسوله محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم فهو مبلّغ دينه الّذي اصطفاه للنّاس أجمعين ، فهو أعظم وأجلّ عند اللّه تبارك وتعالى من بناء من الأحجار يمكن تجديده ، أو إعادة بنائه إلى مثل ما كان عليه . وفي هذا التهديد للمشركين طمأنة ضمنيّة للرسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم وللذين آمنوا به واتّبعوه ، بأنّ اللّه عزّ وجلّ ناصره ، وحافظه ، وحاميه ، من كلّ الّذين يريدون به شرّا . ويمتاز هذا التهديد في المراحل المبكّرة من دعوة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، بأنّ حادثة إهلاك أصحاب الفيل حادثة قريبة ، لم يمض على حدوثها إلّا أقلّ من نصف قرن ، وقد عاصرها وشهد أحداثها كثير من أهل مكّة وما حولها ،